مستشفيات رابعة يوم "الفض".. هنا العلاج تحت دوي الرصاص ورائحة الدماء
بعد نصف ساعة من بدء عملية فض الاعتصام الأكبر لجماعة الإخوان في ميدان رابعة العدوية، ومع دقات السادسة صباحًا استقبلت المستشفيات حول مقر الاعتصام، المصابين والقتلى، حالة من الهرج بين الأطباء والممرضات في ساحة الطوارئ التي اكتظت بالوفود التي تأتي من كل اتجاه، حيث يدخل شخص حاملًا جثة أخيه، وآخر يحمل أحد أقاربه، كما شهدت المستشفى دخول قتلى على يد غرباء، إنقاذ الروح الإنسانية كان أولوية بين جميع الحالات، مع مرور الوقت، تتعالى الصرخات داخل المستشفى، ويأتي إليها زوار للبحث عن مفقودين، كانت الساحة أقرب إلى "حالة الحرب"، جثث متراصة على الأرض جنبًا إلى جنب مع الشهداء، اختلطت الدماء، وساد اللون الأحمر، امتلأت ثلاجات حفظ الموتى، فوضعوا على الأرض وتم إنقاذ الجثث من التعفن بمكعبات الثلج.[FirstQuote]
صباح الخميس، اليوم التالي للفض، لم يشاهد المستشار سيد أحمد السبكي، رئيس مجلس إدارة جمعية رابعة العدوية، جثثًا أو مصابين بعد إخلاء المركز تمامًا، ولم يبقَ سوى بعض البلطجية الذين حاولوا الاستيلاء على المركز قبل أن يتصدى لهم العاملون، الرجل المسؤول بالمركز لم يشاهد تفاصيل اليوم، وظل متابعًا لما يجري أولًا بأول.
طوال فترة الاعتصام، لم يعد هناك توافد للمرضى على المركز الطبي بالجمعية مثلما كان سابقًا، فانخفض المترددون من 3 آلاف يوميًا إلى 3 مرضى فقط، كما توقفت تقريبًا العمليات من 50 عملية يومًيا، إلى عملية واحدة في الشهر، لهذا السبب خفض عدد الورديات للأطباء من حوالي 400 طبيب، لتشمل الوردية الواحدة 8 أطباء فقط.
الأخبار المغلوطة التي انتشرت في تلك الفترة، حول اقتحام المركز على يد المعتصمين أو الاعتداء على رجال الأمن المكلفين بحمايته، نفاها السبكي قائلاً "في وقت الفض هذه مستشفى، فالطبيعي أن أي مصاب يتوجَّه لها، فالمصابون يقتحمون المركز لينقذوا أنفسهم بأي طريقة، ليس بغرض احتلال المكان"، موضحًا أيضًا حقيقة اقتحام قوات الأمن للمركز، "كاميرات المراقبة صورت تواجدًا لقوات الأمن فعليًا لإخلاء المركز بالكامل، وليس اقتحامًا بإطلاق أعيرة نارية أو غاز".[SecondQuote]
ومع قلة عدد الأطباء بالوردية، لم يكن إسعاف المصابين الذين يعدوا بالمئات مقتصرًا على أطباء المركز فقط، أطباء توجهوا إلى المركز فور علمهم بالفض، فهناك طبيب يدعى "محمود" لم يعرف إدارة المستشفى أي معلومات عنه بعد انتهاء يوم الأربعاء، ولم يبقَ بالمركز نفس الفريق الطبي الذي شهد أحداث الفض بعد مرور عام، إلا مدير الأمن الذي تنتابه حالة هياج عصبي فور تذكره تفاصيل اليوم، حسب قول السبكي.
أمتار تبعد مستشفى التأمين الصحي عن مركز رابعة، وأعلنت حالة الطوارئ بالمستشفى، منذ 30 يونيو 2013، ومع استقبال أولى حالات الإصابات بطلق ناري وخرطوش بعد بيان السيسي بعزل محمد مرسي، حتى أعلن المستشفى ما يسمى بـ"الإخلاء الأول"، فتم تأجيل العمليات وتقديم العلاج إلا الحالات الحرجة فقط، واستعداد الطوارئ بشكل كامل.
حالة لم يشهدها من قبل، الدكتور علي أحمد محروس، نائب مدير مستشفي التأمين، بالرغم من سنين الخبرة والممارسة؛ فهو لم يعمل في مستشفى ميداني قبل ذلك، فتضخم أرقام المصابين الذين دخلوا في وقت واحد في أحداث الحرس الجمهوري أحدثت ارتباكًا للأطباء، فالعمليات والطوارئ تعمل بكامل قوتها في وقت مفاجئ، إلا أنه مع أحداث الفض كان الوضع أفضل بالرغم من أعداد المصابين والشهداء التي تفاقمت، فقد تم تبليغ المستشفى للاستعداد قبل بدء الفض بساعة تقريبًا.[ThirdQuote]
ظلَّت سجلات المستشفى تدوِّن الحالات التي تدخلها تحت اسم "مجهول"، أعداد من الشهداء والمصابين ينقلها ناس لا يعرفهم، ولا يحملون أي إثبات للهوية، 261 حالة وصلت لم يتم التعرف عليهم حتى وصول ذويهم.
تقسيم الحالات بين الحالات الحرجة التي تحتاج التدخل الجراحي الفوري، وأخرى يمكن أن تنتظر فتُحجز في الغرف في الطوابق الأعلى لإخلاء الطوارئ، وأخرى يتم علاجها وتغادر المستشفى، كما أن في 90% من الحالات كانت طلقات بالبطن أو الصدر التي تستدعي القيام بعمليات استكشاف، هي جراحة بشكل عام التي تختص بفتح البطن لمعرفة الأجهزة التي تلفها الجسم الغريب الذي دخل الجسم.
خضع الدكتور محمد محمود، أخصائي جراحة عامة ومساعد مدير الشؤون العلاجية بمستشفى التأمين الصحي في مدينة نصر، ومعه مجموعة من الأطباء بمستشفى التأمين إلى دورات تدريبية استعدت بها إدارة المستشفى بإشراف مجموعة من أساتذة جامعات حول كيفية التعامل مع هذه الأحداث من تقسيم الحالات واستقبالها، ذلك بعد بيان عزل مرسي في يوليو 2013، وشهد الطبيب حالات طلقات في الرأس أدت إلى خروج جزء من المخ، واعتبرها من أسوأ ما مرَّ عليه على مدار اليوم.
أمام المستشفى الميداني برابعة العدوية، تختلط رائحة الدماء مع أدخنة قنابل الغاز المسيل للدموع، أصوات الرصاص متداخلة لا تعرف تمييز اتجاهها، وقفت تنتظر والدتها الطبيبة بعد أن توجهت بصحبتها إلى مقر المستشفى فور علمها ببدء الفض.
اتجهت آلاء مصطفى إلى مستشفى المركز الطبي برابعة بعد أن علمت باستشهاد صديقتها "أسماء البلتاجي"، وكان قد اقترب الوقت إلى ظهر اليوم، وقفت ومعها إحدى صديقاتها توثقان معًا أعداد الجثث وتحصران المتعلقات الشخصية من بطاقات الرقم القومي، ومن كان بينهم معه تليفون محمول يتصلون بذويه ليأخذوا جثة شهيدهم، مشاهد قاسية لم تغادر ذاكرتها منذ عام مضى، لم تنسَ جثامين مغطاة تحت لافتة "شهيد بإذن الله" وما زالت أنفاسهم تتحرك بداخلهم، أصوات رصاص القناصة أعلى المركز ترعب من يمر أمامه، كان الأصعب هو نقل المصابين بالمركز خوفًا من الشرطة.
أطفال فقدوا أهلهم، وغيرهم ضلوا طريقهم وسط أحداث الفض، معتصمون يجهلون طريق عودتهم إلى منازلهم في الأقاليم ومحافظات أخرى، جلسوا على أرصفة الممر الآمن لا يعرفون ماذا يفعلون، حتى قامت جدة آلاء التي تسكن في محيط شارع الطيران باستقبال بعض المعارف، وأصدقاء لها قاموا بتوصيلهم إلى أقرب وسيلة مواصلات ترجعهم إلى منازلهم.
في مساء يوم الفض، رجعت آلاء مرة أخرى مع صديقتها إلى المركز، ولم تريدا أن تبقى المتعلقات التي قامتا بجمعها في يد الشرطة، ظلتا هناك وسط جثث سترتها أوراق الجرائد القديمة، وأخرى عليها قطع الثلج.. حتى لا تتعفن.