أيقظني صوتها من على الكنبة الحديدية وهى تصرخ..
رأيتها من خلف قضبان غرفة العناية المركزة المائلة للخارج!
فلهذه الغرفة تحديدًا قضبان وكأنها تمنع الأجساد الموبوءة من الموت دون إذن.
كانت شديدة النحافة والقصر.. أظنها في منتصف الأربعينات وقد اعترى شعرها بياض القهر، في ممر عنبر الأمراض الكبدية والباطنية في المستشفى الحكومي الجامعي حيث للصراصير والأبراص والحشرات النادرة مرتب شهري ثابت!
رأيتها تخرج متألمة من الحمام العمومي شديد القذارة وإن كان يميزه سخانه الكهربائي، بحركات متثاقلة تخرج بألم قد اعتراني أنا لرؤيتها هكذا دون حتى أدنى صله بها مسبقه خلال وجودي في الأيام الماضية!
قد أصبح الحمام مطمعاً لجميع عنابر المستشفى الكبيرة والصرح الطبي الأشهر في بلدنا ذو التاريخ المتضارب المعروف، تجلس على الكرسي المتحرك في انتظار ذويها للعودة بها للعنبر الجماعي.. تصرخ عليها عدة مرات دون جدوى!
- باموووت يااا ابااااا - بامووووت ياااا امااااااا
لتخرج تلك السمينة الضخمة العرجاء مسرعة إليها!
معلش كنت بشرب!
لتقود كرسيها بينما الأخرى تكاد ان تسقط من بوادر الغيبوبة الكبدية، كما اعتقد من خبرتي حتى الآن!
-استيقاظ مؤلم بعد دقائق معدودة من محاولات النوم المتعددة الفاشلة خلال الساعات الأخيرة ولكنه استيقاظ قد اعتدت عليه، بعد رحله طويله فى مدة قصيرة، ومستشفيات خاصه تصدرتها أغلبها شعاراً إنجليزياً لا يمت لها بصله! نظير الأموال الباهظة التي التهمتها من أكبادنا..
care above your imagination
- وأطباء قادوا من لنا لتمنى الموت بعد أن كانت تصرخ خوفاً منه ..
غريب أمر الحياه ميتاً والموت حياً، فأنت تذكر من أثراك وإن مات و تنسى موتك و إن عشت!
- لعلك و انت تقرأ خطابي هذا الأن تستلهم لحظات دفنك ! لقريباً أو عزيز و المشاعر التي تنتابك خلال تلك الساعات القليلة، كم تمنيت أن تدوم تلك المشاعر التي أظن أنها اصبحت تقودني الى ما أنا عليه اليوم ..
(كهلاً في الثلاثين !) لا يبهره ما يبهر أقرانه و لا يهتم الا بالتفاصيل الصغيرة ، حيث الله يتجسد بها في أوضح صوره !
وما أن التفت الأن حتى رأيت ما دفعني للكتابة إليك !
عزيزي ن فقدته قديماً و كم أود استرجاعه يوماً
.... عزيزي أنا .....
رفيقي وعدوي وصديقي الذى أضن على بنصيحته يوم احتجتها ، لقد كرهتك وكرهتني كثيراً، و لكنى أدرك موتك المبكر بعد مرض عضال وطويل وصراع مرير لروحك! التي اختطفت منك دون أدنى رحمه!
أكتب إليك وأنا أشاهد طفله صغيره لم تتجاوز العاشرة وهى على كرسيها المتحرك الذى طالما أحببته أنت و احترفت قيادته كلما وقع تحت يديك !
- ورده جميله تذبل و قد رفضت والدتها الا شفاهها بروج أحمر رخيص كملابسها الباليه !
ها هي تأتى من أخر الممر الطويل ..
لم أغير وضع رؤيتي لها حتى الأن ..!
حتى خطابي هذا أكتبه دون النظر للورقة المهلهلة التي وجدتها في جيبي !
متأكد من أن السطور قد تداخلت كلها ! بعضها ببعض ليصب عليك فهمها !
- هي لعنه اعيش عجزت عن كسرها !
أن تفهمني .. أنت دون عن جميعهم !
لا أكترث لذلك كثيراً الأن ! و هي تتجه للحمام النجم بسخانه ! و مياهه الدافئة ! وهى الضامن الوحيد للحد من الميكروبات المرافقة للإقامة في هذا المبنى سعياً للعلاج !
- تقوم والدة تلك الوردة بمساعدتها على النهوض من على كرسيها ، أراها من خلال القضبان لغرفة العناية المركزة و أراها أكثر الأن وهي تضرب يد أمها حتى تنهض لوحدها ، دون مساعده ..!
اعذرني لعدم إكمالي خطابي اليك !
فقد سقطت تلك الوردة و قد كانت تسعى لأن ترتوى !
ولا أجد لخطابي هذا أي جدوى الأن !
يجب أن أساعدها !
اعذرني إني أكررها معك !
تلك الفعلة التي طالما كرهتها في !
أختار دائماً أحدهم على تصحيح الامور معك ، أظنها لعنه أخرى كتبت على !
تحياتي وخالص أمنياتي و اعتذاري
القاهرة في 21 يوليو 2014
- معلش عنك انتِ يا ستي ، أساعدك يا بابا !؟
- أه
- ياااالا .. بالرااااحه ... أاااايوه !
يعنى نفعنا بأيه العند دلوقتي !؟
-مش عند ..!
-أماااال !؟
- عايزة حد من الدكاترة يشوفني وانا بأقع
- ليه !؟
-عاوزة أخش الزنزانة اللي هناك دي علشان مش عاوزة أموت !
أبو مايان