اعتاد أن يكون سيد مكانه، يجلس على كرسيه العالى، مرتدياً بذلته الأنيقة، ونظارته الطبية، مصففاً شعره الأبيض الخفيف بعناية، حاكماً بأمره على أكثر من أربعمائة شخص يجلسون أمامه، يتحدث فيصمت الجميع، يطلب «موافقة»، فترتمى تحت قدميه، يمتلك سلطة الإيقاف، والطرد، والإحالة إلى «لجنة القيم»، غير أنه فقد صلاحياته جميعها ما بين عشية وضحاها، حينما وجد الدكتور أحمد فتحى سرور رئيس مجلس الشعب الأسبق نفسه مبعداً عن السلطة بأمر من ثورة يناير، التى أطاحت به ضمن عدد كبير من رموز النظام الأسبق، وأودعتهم السجون بتهم مختلفة.
مرة أخرى يعود «سرور» إلى الأضواء، بعد الإفراج عنه، وتبرئته من تهم كانت موجهة له، هذه المرة يعود «سرور» للأضواء بقرار من الدكتورة غادة والى، وزيرة التضامن الاجتماعى، الذى يقضى بعودة الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى التى يرأس «سرور» مجلس إدارتها، ملغية بذلك قرار الدكتور أحمد البرعى وزير التضامن السابق الذى حل الجمعية فى أعقاب ظهور «سرور» كرئيس لها أثناء حضوره لمؤتمر صحفى عقدته الجمعية قبل أيام قليلة من الاستفتاء على الدستور الأخير، مصرحاً: «جئت اليوم بصفتى رئيساً للجمعية، ولم آتِ كمتحدث أو كما يقال.. طرزان».
كان الظهور الأول لـ«سرور» عقب الإفراج عنه بمثابة مفاجأة لعدد كبير من المتابعين الذين رأوا فى ظهور رئيس مجلس الشعب الأسبق، الحاصل على الدكتوراه فى القانون الجنائى من جامعة القاهرة عام 1959، ليتحدث عن الدستور الجديد، محاولة منه للتشبث بالنظام الجديد، وإعادة تقديم نفسه كسياسى وقانونى، خاصة عندما قال فى مؤتمره الصحفى: «إننا مقبلون على حدث مهم فى تاريخ مصر وهو الاستفتاء على الدستور، فإن الدستور كنظام قانون يعتمد على قرار سياسى يعبر عنه الشعب صاحب السيادة».
«سرور» الذى كان جزءاً من نظام «مبارك» حيث شغل منصب وزير التربية والتعليم فى ثمانينات القرن الماضى، ثم رئيس مجلس الشعب فى أوائل التسعينات، وعضو المكتب السياسى للحزب الوطنى لأكثر من 20 عاماً، يطل من جديد على الحياة السياسية بقرار وزيرة التضامن الاجتماعى، طاوياً الأزمات التى لاحقته طيلة السنوات الثلاث التى أعقبت ثورة يناير، أُبعد خلالها عن منصبه وأودع السجن فى عدد من القضايا أهمها «التحريض على قتل المتظاهرين فى موقعة الجمل»، وكذلك قضية «كسب غير مشروع»، خرج منها جميعاً كـ«الشعرة من العجين».
«آه صحيح الواحد نسى الحاجات دى»، يقولها «سرور» ابن محافظة قنا المولود عام 1932، حين يحاول ضبط الميكروفون أثناء مؤتمره الصحفى الذى ظهر فيه للمرة الأولى، يداعب بها من حوله، لا تفوتهم الدعابة، يدركون جيداً أن الزمَّار حين يموت تظل أصابعه تلعب، ورئيس مجلس الشعب الذى غاب عن السلطة لا يمكن أن ينساها حتى ولو بعد عشرات السنين.