بالصور| وسط البلد دون الباعة.. مواطنون: "الشارع بقى مية مية.. والجائلين ماتظلموش"

كتب: أحمد ناجي وميسر ياسين

بالصور| وسط البلد دون الباعة.. مواطنون: "الشارع بقى مية مية.. والجائلين ماتظلموش"

بالصور| وسط البلد دون الباعة.. مواطنون: "الشارع بقى مية مية.. والجائلين ماتظلموش"

جوٌ هاديء، لا يعكر صفو هدوءه إلا أصوات السيارات المارة في طريقها، يخلو من أصوات الباعة الجائلين المتعالية، تتوقف سيارة مصفحة تابعة للشرطة، ومدرعتي جيش في شموخ، عيون ضباطها تراقب حركة الشارع، ويقف المجندين من الجيش والشرطة، يحدقون بالمارة في هدوء. بداخل شارع طلعت حرب، ملجأ الباعة الجائلين السابق، محمد إبراهيم رجل في أوائل الأربعينات، حليق الذقن، نبتت شعيرات بيضاء في مقدمة رأسه، على وجهه ابتسامة صغيرة لونتها شمس اليوم الطويل الذي قضاه في الشارع، يتوقف في حضرة سيارة شرطة "بوكس"، وسط مجموعة ليست بقليلة من الكتب، وبقايا صحف لم تُباع، يتفاخر بكونه يعمل في بيع منتجات الصحافة، فهو يمتلك رخصة عدم الإنتقال إلى "جراج الترجمان"، وقد قلل من حجم معروضاته، حتى يراعي اختلاق مكانًا مناسبًا للمارة، شاكرًا الله على نعمة نقل الباعة الجائلين لـ"الترجمان". يمتدح إبراهيم قرار النقل، ولكنه وجهه إنتقادً، وهو نقل الباعة لأكثر من مرة، وعلل ذلك بأن الباعة "على الله" ونقلهم يسبب مشكلة في الرزق، حيث أن النقل يلزمهم بالتوقف عن البيع لحين الإستقرار، قائلًا "كدا في ناس كتير هيتخرب بيتها". ومن وجهة نظره، المحلات سوف تستعيد زبونها مرة أخرى، موضحًا أن الباعة كانوا يزيدون من حيوية الشارع، ولكن أوان الحكم على الموقف ليس الآن، ويضيف "محمد"، لم يعترض أحد من الباعة على موقف نقلهم، فقد انتقل الجميع في هدوء وفي طواعية كاملة للقرار الجديد. ويقول الأربعيني "الشارع دلوقتي أحسن بكتييير"، فمن ايجابيات نقلهم، قلة وما يقرب من إنعدام التحرش والمعاكسات، فالشارع الآن في حال هاديء، ولكن على الحكومة الحذر من ثورتهم في حال عدم وجود "زبون" بالترجمان، فلن يتركوا أنفسهم حتى يموتوا جياع بالجراج. نحن الآن بداخل أحد محلات شارع طلعت حرب، المحل يطوقه الأرفف من جميع الجهات، يسكن عليها أنواعًا وأنواع من الملابس الشبابية، يديره ثلاث رجال في منتصف العمر، بادر بالحديث سعيد مجاهد، رجل بدين، متوسط الطول، يميزه عن زميليه شارب يعلو فمه، وبدأ كلامه بجلمة "الشارع بقى مية مية، اللي جي واللي رايح خد راحته"، ويتمنى الرجل أن تظل الشرطة في مكانها، وألا تغادر أبدًا، خوفًا من عودة الباعة الجائلين مرة أخرى إلى الشارع. ويختار سعيد جملة "الباعة الجائلين هم روح الشارع" ليعلق عليها قائلًا إنها كذبة أطلقها الباعة ذاتهم وصدقوها، فالباعة الجائلين لا يفعلون شيئًا غير سرقة "الزبون"، وسرقة الكهرباء، وقتل سعر السلعة بالمحلات، فهم لا يعبأون بحمل الضرائب، أو الكهرباء، بل وفي بعض الأحيان يختلقون المشاجرات حتى نزيد لهم من الإضاءة الخاصة بنا، حتى تكشف للمارة عن بضاعتهم. ويضيف محمد أحمد، شاب قصير القامة، نحيل البنية، يخلو وجهه من التعابير "الحكومة عملتلهم قيمة لما ودتهم الترجمان"، فقد كانوا أساس المشاجرات في الشارع، بسبب ما يفتعلونه من مواقف المعاكسات والتحرش، ويوضح موقفهم من الزبائن الذين لا يشترون من بضاعتهم "اللي يقلب على الفرش وما يشتريش، تبقى ليلته سودة". ويخرج الثالث عن صمته، وهو شاب طويل القامة، متوسط البنية، يظهر على وجهه علامات الغضب، ويروي واقعة حدثت مع بين أحد الباعة الجائلين ورجل يمشي مع زوجته، تسبب اختلاف الرجل والبائع على السعر، وأثناء انصراف الرجل مصطحبًا زوجته، انهال عليه البائع بالسُباب، وعن إعتراض الرجُل على الموقف، ما كان له رد له نصيب إلى من الضرب الدامي. في أرض ميدان طلعت حرب الهادئة، يقف تمثال طلعت باشا حرب، ناصبًا قامته، تتضح السيولة المرورية على الشارع، التي لم تُرَ منذ فترة طويلة، يقف شابًا مهندمًا، في منتصف العشرينات، طويل القامة، عريض المنكبين، تظهر على وجهه الوسامة، قسمات الإبتسامة محفورة في وجهه، يوضح الشاب عصام فوزي من الباعة الجائلين قائلًا "بجد.. الشارع كدا أحسن"، مبررًا موقفه من حركة الشارع المرنة، وسهولة الوصول إلى مقصده، دون التعرض له، بعرض البضائع زاهدة الثمن، بل وفي بعض الأحيان يجبره البائع على الشراء. ويضيف أنه في بعض الأحيان يتعرض للمضايقات أثناء سيره في الشارع مع أحد أقربائه من النساء، ولكن الآن يستطيع التحرك بسهولة، ويمكنه الوصول لوجهته بسرعة. أمام أحد المحال التي تزينها الأضواء، لجذب إنتباه الزبائن، حيث تظهر البضائع في "الفاترينا" وكأنها عروس تُزف، تقف فتاة ثلاثينية حائرة في أختيارها، "ماشية براحتي.. ومش قلقانة" بدأت منار عبدالله، حديثها بتلك الجملة، وتتابع قائلة، إن الشارع هكذا في أفضل أحواله، فلم نره في هذا الهدوء من قبل، فأنا أسير الآن بحرية، دون مضايقات أو معاكسات. وتقول منار إن الباعة الجائلين لم يظلموا، ففي حال إحتياجها لاقتناء شيء منهم، ستذهب لهم إلى الترجمان، فمن يريد شراء بضاعتهم، سيسعى لمكانهم، مكانهم معروف، وهم ليسوا في منفى.