بالفيديو| في ذكرى وفاته.. يوم مع نجيب محفوظ

كتب: سارة سعيد

بالفيديو| في ذكرى وفاته.. يوم مع نجيب محفوظ

بالفيديو| في ذكرى وفاته.. يوم مع نجيب محفوظ

كتب تجعلك تبحر في عالم من اختياره، يجيد وصفه ويمكنك من العيش فيه بكل تفاصيله، التي برع في وصفها وبلورتها بعناية، ولكن هل فكَّرت يومًا في ماهية عالمه، ماذا يقرأ وكيف يكتب وأين يذهب، كيف يبدأ يومه ويسطر تفاصيل "حياة الرهبنة" التي اختارها من وسط كل العوالم التي تحدث عنها، ليرحل أديب "الثلاثية" تاركًا ما يجيب عن ما يتبادر لذهنك من أسئلة، فأتاح لنا أن نتعايش يوما معه حتى بعد رحيله كـ"أولاد حارته"، أربعة دقائق فتحت لنا الأبواب على عالمه الخاص، لنعيش معه في ذكراه يومًا من حياته، يرشدك بصوته المتهدج ماذا يفعل، ولا يسعك حينها سوى ترك العنان لذهنك ولصوته وتقضي معه يومًا في حب تفاصيل المحروسة. مع نسمات الفجر وما يتخللها من رائحة الصباح، يبدأ نجيب محفوظ يومه، في الخامسة صباحًا، تاركًا "صومعته" ما بين السادسة والسادسة والنصف، ليترجَّل متنفسًا انتعاش الصباح، مستمتعًا بخيوط الضوء المغزولة قبل أن تتخللها أشعة الشمس، ثم يطل على نافذة الدنيا من شبابيك الجرائد، ليعود بعدها ممارسًا حياة الرهبنة حتى الظهر، بين طقوس الكتابة والقراءة، وهو الطقس المقدس والمحبب لقلبه. طقوس اتبعها بنظام الرهبنة، مواعيد تضبط عليها الساعات عقاربها، والتزام لا يفرق شيئًا عن تعبد الراهب لله في منأى عن العالم، في الظهر يحين وقت القراءة وحتى التاسعة مساء، يحل ضيفًا بين صفحات الكتب التي لا يمل من صداقتها، ولا تمل من استضافته، حتى تدق الساعة التاسعة، فينطلق ذاك الجماد بأصوات وصور وأشخاص، تنقله لعالم آخر يهوى متابعته، فيشاهد التليفزيون، هكذا يمضي صاحب جائزة نوبل يومه العادي. تمضي أيام الأسبوع على الوتيرة ذاتها، عدا يوميّ الخميس والجمعة، اللذين خصصهما الأديب العالمي لأصدقائه وشؤونه الخاصة، على القهوة يجلس بصحبة "الحرافيش" أصدقائه كما أطلق عليهم الفنان أحمد مظهر، على سبيل الفكاهة، حيث كانوا يجلسون معًا باستمرار، إلا أنها اقتصرت في فترات حياته الأخيرة على مجموعة منهم فقط. أولى محفوظ في حياته "القهوة" أهمية خاصة، فكان يتجمع عليها مع أصدقائه في بداية حياته، خاصة مع كثرة عددهم، ثم تحولت في أعينهم وكأنها نادٍ، "قشتمر" هي القهوة الأولى التي تجمعوا عليها، ذكريات وحكاوى كثيرة تحملها مناضدها، ثم جلسوا على قهوة "إيزيس" وبعدها "عرابي" قهوة الكبار وباشوات العباسية، كما قال عنها، وفي رحلتهم للحسين، جلسوا على "زقاق المدق" والفيشاوي التي أحبها أكثر، بينما احتلت قهوة "علي بابا" مكانة خاصة لديه، حيث كان يداوم على الذهاب لها يوميًا مع إشراقة كل صباح، واعتبرها فريدة من نوعها حينذاك، فقد كانت تفتح أبوابها للزبائن على مدار 24 ساعة. "أرى أني أقمت حياتي في الدنيا على أساس الحب، حب العمل وحب الناس وحب الحياة، وأخيرًا حب الموت".. كلمات أنهى بها رحلته التي اصطحبنا بها في يومه، لينظر بعدها بنفس الحب لزوجته، يشكرها على تحملها حياة الرهبنة معه عمرًا طويلًا، وجزائها بعد كل هذه السنوات عند مالك الحب اللامتناهي، عند الله، ثم مسك الختام، كلمات في حب الأم المتفانية التي تروي حبها في ماء نيلها، مصر كانت له كما قال المولد والمنشأ والمعاش، "ليست مجرد وطن محدود بحدود، ولكنها هي تاريخ الإنسانية كلها" هكذا اعتبرها، وهكذا رغب ألا يتركها إلا إذا كان مطرودًا أو منفيًا، ولعل مصر وأبناءها اليوم عندما يتذكرونه يدركون رحيله وقد غطى ترابها ملامحه، وفاح ذكره وبقت سيرته يرويها التاريخ.