استمع إلى أم كلثوم وهي تشدو رائعتها "ثورة الشك"، وتوقفت كثيرًا عند جملتها "ولكني شقيت بحسن ظني"، نعم لقد أوجعتني تلك الجملة كثيرًا.. منذ صغري أفترض حسن النية لدى الآخرين، ثم اكتشف أنني بالغت في حسن ظني وتنصحني أمي بالحذر وكذلك أبي.. وأقربائي يتهمونني بالسذاجة والغفلة.
لما تخرجت من الجامعة وعملت، قابلت أنماطًا غريبة من البشر.. هناك من يجري وراء مصلحته ويفعل أي شيء للوصول إلى مبتغاه بغض النظر عن الأساليب، مبررًا ذلك أن الغاية تبرر الوسيلة.. تبريره "ميكافيللي" بحت وأنا لا أحترم هذا الصنف من البشر.. وهناك من يشعرك أنه ضحية ظروفه وهو جالس مكانه كقاعدة صاروخ نووي يخشى الانطلاق، يتحدث عن صعوبة ظروفه والصعاب وهو لا يحاول مساعدة نفسه.. وهناك من يفتعل المثالية ليبدو أكثر تحضرًا ورقيًا وهو فظ غليظ القلب لكنه يخشى معايرة الناس له.
وهناك من يعتقد أنه يحسن الظن بالآخرين أكثر مما ينبغي، وهذا النوع يشبهني كثيرًا حتى تعرفت على زميلتي بالعمل التي تبدو أكثر خبرة وحنكة وعدوانية، لكنها بررت ذلك أن السمك الكبير دائمًا يلتهم السمك الصغير وهي لا تريد أن تعيش مثل سمكة صغيرة !
تحدثنا وتناقشنا كثيرًا، خاصة أنها على عتبة حياة جديدة، ستتزوج بعد شهور قليلة، تحرص على إعداد الشقة وطلباتها والجهاز والأثاث دون الاهتمام بعقل وقلب خطيبها الذي سيغدو زوجها بعد فترة قصيرة.
لذلك انتابتني صدمة عظيمة، عندما جاءت إلى العمل بعينين متورمتين باكيتين، وقد خلعت دبلة الخطوبة لأن خطيبها يرى أن عقلانيتها الزائدة لن تفيد حياتهما المشتركة مستقبلًا وأنه يفضل أن تكون رفيقة عمره رقيقة لينة الجانب، لا تقسو على نفسها ولا على الآخرين وأنه لا يحبذ أن تكون يدها هي العليا.
حاولت معها و أقنعتها بالذهاب إليه والتحدث إليه ومناقشته أن الزواج يتطلب شريكين، لكل واحد مسؤولياته وواجباته، فهي ليست علاقة مثل العمل مثلًا، وإنما هي علاقة مودة وتراحم و استغربت صديقتي من طريقة تفكيري وأصرت على انتظاره حتى يأتى لها معتذرًا!