"ولم أقع في الحب، لقد مشيت إليه بخطى ثابتة، مفتوحة العينين إلى أقصى مداهما، أني واقفة بالحب لا واقعة في الحب، أريدك بكامل وعي"، كلمات خطتها الكاتبة غادة السمان في خطاب موجه إلى غسان كنفاني، بكامل قواها ورغبتها في الوقوف داخل حبه بأقصى مدى.
ذلك الشاب الوسيم الذي اختارته لترسوا على ميناء قلبه تلك الفتاة ذات العينين السوداوين بأعلامها وراياتها الغامضة والساحرة، فهي المرأة المتمردة، وصورة المرأة الحرة التي ترفض أن يربطها قيدًا لتكشف عن جانب حميم بحياتها الشخصية انتهى، عندما مات واختلطت دمائه بالأرض ليرقد تحتها، ويصبغها بلون كئيب في عينيها يبدو أنه لن يزول بسهولة.
فبعد أن اغتيل المناضل والشاعر العنيد غسان كنفاني، جمعت غادة تلك الرسائل، وأدرجتها في كتاب قدّمته له بنفسها بالكثير من الألم، تعرض فيه كافة الرسائل التي نثر فيها روحه وقلبه على الورق.
كان حبه لها كما يؤمن التقي بالله والصوفي بالغيب، هي العلاقة التي جمعت بينهما واستمرت لما يقرب من عشرين عامًا، نشرت غادة السمان رسائل غسان العاطفية إليها، دون نشر رسائلها هـي إليه ليظل الكتاب ناقصًا، حيث تقول غادة إن رسائلها ليست في حوزتها، غسان كان يرفض دائمًا المحادثات الهاتفية مع غادة، حتى أنه كتب لها في إحدى الرسائل "لا تتحدثي معي بالهاتف، اكتبي لي، اكتبي لي كثيرًا، فأنا أحب رسائلك إلى حد التقديس، وسأحتفظ بها، وذات يوم سأعطيها لك، إنها أجمل ما كتبت، وأكثرها صدقًا".[FirstImage]
لم ينبئنا الكتاب، عن مدى حب الأديبة لكنفاني، فقط اكتفت بأن تقول عنه، "نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، وكان له وجه طفل وجسد عجوز، عينان من عسل، وغمازة طفل، لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التقليدية، والأبطال الحقيقيون يشبهون الرجال العاديين رقة وحزنًا"، ولكن الأكيد بأن حبه لها تجاوز جميع الحدود بين البشر وكسر جميع القيود والصورة النمطية للرجل الشرقي والمناضل الثوري، ليقول لها "إنني أحبك.. أحسها الآن عميقة أكثر من أي وقت مضى، أنا الذي قاومت الدموع ذات يوم، وزجرتها حين كنت أُجلد؛ أبكي بحرقة الآن".