مراسلات "مي" و"جبران" .. حب 19 عاما دون لقاء واحد

كتب: نورهان نصر الله

مراسلات "مي" و"جبران" .. حب 19 عاما دون لقاء واحد

مراسلات "مي" و"جبران" .. حب 19 عاما دون لقاء واحد

هي الفتاة الرقيقة البسيطة التقليدية، التي عشقت الأدب ورأت فيه ضالتها المنشودة، والذي اتخذته مجرى الدم في جسدها، هي التي فتحت منزلها لرجال الأدب، تحاورهم وتستمع إلى إبداعاتهم في صالونها الأسبوعي، فهي التي عشقها الكثيرون، ولكن لم يدق قلبها إلا لشخص واحد لم يكن معهم بل كان في الجزء الآخر من العالم، فالحب الذي دام تسع عشرة سنة وجمع بين مي زيادة وجبران خليل جبران دون أن يلتقيا، حب صوفي نادر، ليرحلا ويتركا لنا الحب الذي خطت أيديهما المرتعشة، وأعينهما الدامعة، وقلبيهما الممزقين من ألم البعاد في كتاب بعنوان "الشعلة الزرقاء". بدأت العلاقة بين الأديبة مي زيادة والشاعر جبران خليل جبران عبر المراسلات الأدبية بينهما، فلم تكن في البداية سوى مراسلات حملت طابعًا فلسفيًا في الحياة، ألَّفت بين قلبين وروحين لتجمعهم، فبدأت بمراسلته عقب قرائها لقصته "الأجنحة المتكسرة" التي نشرها في المهجر عام 1912، كتبت له تعرب عن أعجابها بفكره وأسلوبه، ويأسرها بعد ذلك بكلماته. وتتطور العلاقة بعد ذلك لتأخذ شكل علاقة حب خجولة، بالرغم من أنهما لم يلتقيا سوى على الورق، ليكون الحب الصادق الذي يشوبه الألم، ويظلا قريبين حد الأرواح بالرغم من بعد المسافات. "ما أغرب ما تفعله كلمة واحد في بعض الأحيان، أنها تحوِّل الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت، تقولين إنك تخافين الحب، لماذا تخافينه؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مدَّ البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لماذا يا ترى تخافين الحب؟، أنا أعلم أن القليل في الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنتِ وأنا لا ولن نرضى بالقليل، نحن نريد الكمال ..الكثير، كل شيء، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة". وترد عليه بعدها مي برسالة تتلاشى فيها أمام كلماته السحرية العذبة، "حضرة الأديب جبران ما حملته من كلمات كان لها أثر في داخلي فتنفست الصعداء وسرى الحب في كل نسمة من نسمات جسدي فتعانقت المشاعر وغسل قلبينا المطر فتدفق الحب في الشرايين عاطفة وعاصفة بحال بات يراودني ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به ولكني أعرف أنك محبوبي وإني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير الجفاف والقحط ولا شيء بالحب خير من النزر اليسير كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا؟ وكيف أفرِّط فيه؟ لا أدري. الحمد لله أني أكتبه على ورق لا أتلفظ به لأنك لو كنت حاضرًا بالجسد لهربت منك خجلًا بعد هذا الكلام ولاختفيت زمنًا طويلًا"، وكان أول اعتراف بالحب من مي لجبران في مطلع رسالة 21 مايو 1921 حيث قالت: "أحبك قليلًا، كثيرًا، بحنو، بشغف، بجنون، لا أحبك". بوفاة جبران وجفاف نبع حبه وكلماته، انخرطت مي زيادة في نوبة حزن شديد وارتدت عليه السواد، وقضت أواخر حياتها في مدارات البكاء وما زال جبران محفورًا في ذاكرتها لتأخذ صورته وتضعها في إحدى الغرف التي تتواجد فيها بكثرة ولتكتب في أسفلها بالخط العريض: "أنت مصيبتي منذ أعوام".