"السخرة والأمراض وقلة الأعداد".. مشكلات واجهت قناة السويس منذ عام 1856
"المجرى الملاحي".. الحلم الذي طالما حلم المصريون بتنفيذه، للربط بين البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، وعلى قدر الإصرار على تنفيذه على قدر المصاعب والمشكلات التي واجهتهم لإتمامه، فتعددت المحاولات بمرور السنين من قبل الملوك والأمراء، كانت أولى المحاولات لحفر الممر الملاحي في عام 1850ق.م في عهد الملك سنوسرت الثالث، تلتها فيما بعد عدة محاولات من سيتي الأول، ونكاو الثاني، وبطليموس الثاني، وقناة ترجان الرومانية، وأمير المؤمنين، إلى أن أمر الخليفة " أبو جعفر المنصور" بردم القناة، وسدها من ناحية السويس، منعا لأي إمدادات من مصر إلى أهالي مكة والمدينة الثائرين ضد الحكم العباسي، ومن ثم أغلق الطريق البحري إلى الهند وبلاد الشرق وأصبحت البضائع تنقل عبر الصحراء بواسطة القوافل وأغلقت القناة حتى عام 1820م.
وعند تولي محمد سعيد باشا حكم مصر، تمكن فرديناند ديليسبس باقناعه من حفر "قناة السويس"، وهو ما تم في 5 يناير 1856 حيث صدرت وثيقتان هما عقد الامتياز الثاني وقانون الشركة الأساسي وكان من أهم بنوده قيام الشركة بكافة أعمال الحفر وإنشاء ترعة للمياه العذبة تتفرع عند وصولها إلى بحيرة التمساح شمالا لبورسعيد وجنوبا للسويس، وأن حجم العمالة المصرية أربعة أخماس العمالة الكلية المستخدمة في الحفر، الذي بدأ في 25 أبريل 1859 بحفل بسيط ببورسعيد، والذي استمر لعشر سنوات متتالية فيما بعد.
تربعت مشكلة قلة أعداد العاملين على رأس المشكلات التي واجهت الدولة عن بداية الحفر، حيث كانوا 100 عامل في بادئ الأمر ثم زادوا إلى 330 مصريا، و80 أجنبيا، ما دفعت الحكومة إلى إرغام العديد من المواطنين بالقوة على الذهاب للقناة والحفر بها، وهو ما أطلقوا عليه وقتها "السخره"، حيث سخروا الكثيرون للعمل على خلاف إرادتهم.
ظهرت مشكلة مياه الشرب، وعدم توافر المياه العذبة، فقامت الشركات المختصة بالحفر باستيراد 3 مكثفات لتحلية مياه البحر، وفي وقت لاحق تم مد خط أنابيب المياه العذبة من التمساح إلى بورسعيد.
ونتيجة لكثرة العمال وعدم وجود رعاية صحية كافية لهم، انتشرت بينهم الكثير من الأوبئة والأمراض، قضت على كثير منهم، كان منها وباء الكوليرا والجديري.
"الاستيلاء على القناة" كان هدف الشركات الأجنبية التي ساهمت في حفر القناة، والذي ظهر جليًا في شروط عقد الامتياز التي قضت بتنازل الحكومة المصرية عن كل الأراضي المطلوبة لحفر قناة السويس دون مقابل، كما أن للشركة المحتكرة امتياز استخراج المواد الخام اللازمة للمشروع من المناجم والمحاجر الحكومية دون ضرائب، وعلى الحكومة المشرية تقديم أربعة أخماس العمال من المصريين، فيما تحصل مصر في المقابل على 15% من صافي أرباح الشركة، وهو ما ساعد على زيادة الديون على الخديو وقتها فدفعته للتنازل عن منصبه لابنه إسماعيل، الذي افتتح القناة بعد إتمامها في 11 نوفمبر 1869 م، حسبما قال الدكتور محمد حمزة، وكيل كلية آثار القاهرة.
وبعد أن بلغت تكلفة الحفر والتجهيز والمعدات 20 مليون جنيه إسترليني في ذلك الوقت، والتي بلغ طولها 162 كيلومتر، ومساحة مقطعها 305 متر مربع ماء، تميزت قناة السويس بأن تكون أهم مجرى ملاحي في العالم بتحكمها في 40% من حركة السفن والحاويات في العالم، ولربطها بين دول جنوب شرق آسيا وأوروبا والأمريكتين، ولذلك يسعى الرئيس السيسي إلى تعزيز مكانتها بمحور تنمية قناة السويس الجديدة، وجعل الإقليم محورًا مستدامًا يتنافس عالميًا في مجال الخدمات اللوجستية والصناعات المتطورة والتجارة والسياحة.