"لو بطلنا نحلم نموت".. حارس عقار يدرس الفنون المسرحية "هكمل طريقي"
لم يكن الفن يومًا حكرًا على طبقة اجتماعية ما، وإنما كان عبدالفتاح القصري رمزًا من رموز الفن البسيط التلقائي، بينما يوسف وهبي، كان الباشا من الطبقة الأرستقراطية، من هنا جاء حلم الشاب البسيط، صاحب الابتسامة المشرقة، فقرر أن يترك كل واقعه الذي يرفضه ويتجه للتمثيل، ليس عن طريق الهواية بحسب، بل بشكل أكاديمي أيضًا، فكانت أكاديمية الفنون المسرحية وجهته بعد أن ترك معهد الحاسب الآلي.
كونه الابن البكري للحارس جعل المسؤوليات تقع على كتفيه مثل والده، لكنه مع ذلك لم ييأس وقرر أن يلتحق بالمجال الذي يود أن يعمل به طوال حياته: "كنت في مدرسة صنايع وواخد دبلوم زخرفة، وبعدها دخلت معهد حاسب آلي قعدت فيه سنتين"، على الرغم من تنوع مجالات العلوم التي درسها الشاب العشريني، إلا أن الصدفة وحدها أهدته إلى دراسة الفن والتمثيل عندما كان في معهد الحاسب الآلي، عن طريق مسرحية "حوش قراقوش"، ويقول: "عملت عرض مسرحي، فالمخرج أعجب بتمثيلي، وشجَّعني على التقديم للمسرح".
لم تعد طريقة تفكير جمال عبدالحميد، الحارس بأحد العقارات بشارع السودان في المهندسين، بعد تلك المسرحية مثلما كانت، بل شغل الفن حيزًا كبيرًا من يومه، وأصبح يمارس هوايته حتى في الشارع أثناء عبور المارة، "كنت بهزر مع واحد صاحبي وعامل نفسي أعمى وهو بيقودني فجأة سابني وأنا قعدت أنده عليه، وعملت نفسي اتكعبلت في الشارع ومش لاقي حد يشيلني، والناس ضربت زميلي ده" وفي تلك الأثناء ظهر محمد عزيز، الأستاذ بأكاديمية الفنون المسرحية، وكان هو الوسيلة التي نقلت جمال للأكاديمية، "شافني وأنا بعمل الموقف ده، فشرحت له أن عايز أدخل المعهد وهو ساعدني".
هواية التمثيل لم تكن مفاجئة أو طارئة على جمال، فعلى الرغم من بساطة محافظة سوهاج التي تربى وتعلَّم فيها الحارس، إلا أن بداياته التمثيلية كانت بين أروقة مدارسها، "كنت بمثل وأنا صغير في الإعدادية، وكنا بنقلد الممثلين زي فريد شوقي ونطلع على سور المدرسة زي مشاهد الأفلام بالظبط"، إلا أن جمال بالمعهد اختلف قليلًا عمن كان بالمدرسة فهو يرفض الاختلاط بزملائه، "في المعهد مش بحتك بالطلاب ودايمًا في حالي، وأعرف ناس كتير بتمثل دلوقتي بس مش بحتك بيهم".
سنتان قضاهما الشاب العشريني في الأكاديمية دون علم أحد، سوى دكتور الجامعة، الذي يقطن بنفس العمارة التي يعمل بها، فتلك "الشغلانة" لن تثير عليه إلا الأتربة و"وجع الدماغ"، يذهب ثلاثة أيام كل أسبوع للأكاديمية ويحاول أن يتفرغ بقية الأسبوع لعمله في العقار، بالإضافة إلى عمله في الفاعل، فهو يأخذ المحال من بابها كمقاول، وهو من يأتي بالعمال، لديه من الطموح ما يكفي ليزيد دخله كل عام، ولدفع مصاريف تعليمه كاملة، وليحول أوراقه دون علم والده، جميعها صعوبات واجهته استطاع تطويعها بسهولة ويسر من أجل امتهان ما يهواه.
"استرجل وانتبه لأكل عيشك"، كانت تلك الكلمات التي خرجت من والده عندما علم بانتمائه لأكاديمية الفنون المسرحية قبل عامين، ما أثار سخطه الشديد، وسخرية أشقائه الثمانية عليه، فتلك المهنة غير معترف بها في مجتمع سوهاج: "أبويا مضغطش عليا عشان أسيب المعهد، بس هو مش معترف بيه كدراسة وبيعتبرني فشلت"، وعلى الرغم من ذلك استطاع الحارس أن يكمل بالمعهد حتى السنة الرابعة، ولم تأتِ عليه سنة كبيسة، وعادها مرة أخرى، "أنا دلوقتي في سنة رابعة في المعهد، في سنة الثورة مدخلناش الامتحان وده آخرنا كلنا سنة، بس عمري ما عدت سنة، وبنسق مع أبويا عشان أعرف أوفق بين الشغل والدراسة في المعهد، لو هو موجود في العمارة أنا أروح المعهد ولو هو مش موجود أنا مروحش المعهد".
تتعدد مهن جمال، فهو الممثل، وهو الجزار أحيانًا في محل عمل والده، حيث يمتلك جزارة، وهو الفاعل الذي يستطيع أن يعمل ويشغِّل زملاءه معه، فيزيد دخله تباعًا وفق، "ما يرزق"، لذا تصبح أموال التمثيل آخر همه وآخر ما يفكر فيه، "أنا ماليش دخل ثابت، يوم بيبقى معايا فلوس ويوم مش بيبقى معايا فيه، سبت بلدنا في الصعدي والأرض والزرع عشان اشتغل مع أبويا هنا، ودخلي مبيقلش عن 2000 جنيه في الشهر"، لا يريد التمثيل مقابل الأموال، لكن مسؤولياته الكثيرة تجاه أشقائه وأسرته تضعه في خانة وجوب الشغل، لذا تركيزه مع التمثيل ليس كما يجب، "لو جاتلي فرصة أن أمثل وهتجيبلي فلوس هسيب الشغل"، وحاول جمال مرارًا أن يقدم في عدة اختبارات منها تياترو مصر، لكنه لم يهتم بالموضوع كما ينبغي.
فطموحه يتعدى كونه مجرد كومبارس بسيط، يجلس طوال اليوم لينتظر تصوير مشهد صامت خلف عمالقة التمثيل، "الكومبارس بياخد 100 جنيه في المشهد بس، أغلب المخرجين بيجيبوا كومبارس بزيادة، ولما روحت عن طريق مكاتب الكومبارس مكنتش بمثل، كنت باخد فلوس وخلاص، فبطلت أروح لأن مش هروح عشان الفلوس أنا بروح عشان أمثل"، كما يطمح أن تكون له شخصية منفردة بعيدًا عن الممثلين المشاهير"، أنا مش عايز أبقى زي أي ممثل أنا عايز أبقى نفسي، لكن أفضل ممثل في مصر هو أحمد زكي، وفي السينما العالمية شاروخان".
"مش هسيبه عشان محدش يفرح فيا وهكمل الطريق ده"، انتقادات أسرته وأصدقائه من البسطاء، هو الوقود الذي يشتعل بداخله فيعطيه مزيدًا من الطاقة، يريد أن يثبت للعالم أنه لا توجد اختلافات، ويستطيع الحارس البسيط الذي يعمل جزارًا أحيانًا، و"فواعلي" أحيانًا أخرى أن يكون ممثلًا مشهور، يحترمه الكبير قبل الصغير، وأن المهن الكبيرة ليست حكرًا على طبقة اجتماعية ما، وإنما الحلم مشروع والأمل دائمًا بارقته مشتعلة.