في قلب القاهرة القديمة، مسجد محمد علي بهيبته وشموخه، الأنوار تطوف المكان وتلقي شعاعها على عظمة الماضي من حوله، نغمات ترتفع من حولك لا تستطيع أن تميزها إلا بروحك تشهد بحب الخالق في ملكوته، وفي هذا الهدوء داخل روحك تسمع صوت الله بداخلك، ليرتفع الصوت من حولك مرة أخرى وتمتزج معه الألحان ويتناغم مدح الرسول مع الترانيم الكنسية، لتبدأ ملحمة غنائية يتوقف معها الشعور بالوقت في رحاب المكان، يقشعر معها بدنك حين تلمس روحك بتفاصيل خاصة.
"طالما أشكو غرامي يا نور الوجود وأنادي يا تهامي يا معدن الجود، يا طراز الكون إني عاشق مستهام، مغرم والمدح فني يا بدر التمام، وعليك الله صلى ربي ذو الجلال" أصوات يمكنك أن تلمس السماوات من خلالها، مسلمون ومسيحيين من بقاع الأرض، عرب وغير ناطقين بالعربية، أجناس مختلفة من بقاع العالم، ثقافات متعدة، ذابت بينهم كل الاختلافات، ليبعثوا للعالم رسالة سلام ومحبة التي هي جوهر الأديان والإنسانية، تنطلق معها ألحان قبطية تغازل التواشيح الإسلامية، تحرر روحك وتخاطب نفسك بعشق الله، وتؤكد أن الله هو الحب والسلام على الأرض.
مع دقات الساعة التاسعة لم يتَّسع مسرح بئر يوسف بقلعة صلاح الدين الأيوبي لموضع قدم، الجميع يترقب بداية الحفل يتزاحم الحاضرون في صفوف، يتخللهم آخرون لم يسعفهم الوقت وتزاحم الحضور في الحصول على مقعد، فرفضوا الرحيل، ليتخذوا من الأرض والسلالم وجوانب المسرح التاريخي مكانًا لهم، ليصبحوا أجزاء من جسد واحد.
"مهرجان سماع للإنشاد والموسيقى الروحية" في دورته السابعة، نجح في حفلة الافتتاح أمس، أن يقدم جزءًا بسيطًا من رسالته "من قلب القاهرة.. دعونا نرسل رسالة حب وسلام لكل شعوب العالم" بمشاركة 16 دولة من العالم منها أمريكا وتونس، والبوسنة والهرسك، سوريا واليونان وغيرها الكثير من محبي الموسيقى الروحية عبر العالم، وما يقرب من 25 فرقة تتنوع بين الإنشاد الديني و الإنجيل الصوفي وللمدائح والابتهالات الدينية والتواشيح الأندلسية.
وكرَّم المهرجان، أمس، عددًا من الرموز الدينية التي عملت على صهر المسافات وتعميق معاني الحب بين الأديان سواء من خلال الفن أو خلال مساهمتهم، وكان على رأس المكرمين شيخ المبتهلين الراحل سيد النقشبندي، والأب بطرس دانيال، والمفكر والكاتب الكبير جمال الغيطاني.
8 أيام مدة المهرجان "الارتقاء الروحي" التي يقودها المخرج انتصار عبدالفتاح، كقائد أوركسترا ناجح يقدم سيمفونية عذبة من التواشيح، والمقامات، والأناشيد، والألحان الكنسية، مضيفًا إليها إيقاعات أوبرالية صوفية، لتتحول بعد ذلك إلى لوحة فنية متكاملة حينما تحضر خصوصية الأماكن المخصصة للعروض الفنية للفرق ما بين شارع المعز، وقبة الغوري، وساحة الهناجر بالأوبرا، فضلًا عن مسرح بئر يوسف بالقلعة.
"لم نعد قادرين على تحمل مزيد من الجدران، فالجدران والسدود والحدود تمزق العالم، حتى باتت تحرمنا من القدرة على إدراك جمال تفردنا وقيمة اختلافنا" جملة قالها الفنان انتصار عبدالفتاح ليلخص من خلالها الهدف من مهرجان يتحول من خلاله العالم إلى فضاء بلا حدود بلا اختلافات.
وما بين الغناء الفردي والجماعي والعزف الآلي والحضرة التي تبرز أشكال الذكر والمدح لخير الخلق، يمتزج فيها التراث بالتاريخ والإيقاعات الحديثة، تجد العيون متأملة والأرواح هائمة في ملكوت متجاوزة جميع الحواجز المادية بعيدًا عن الحياة اليومية، ويصبح للصمت معانٍ أعمق بكثير حين يسمع "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة.. مولاي صلِ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم" مزيج روحاني يرتقي بالإنسان في رسالة سلام تطوف العالم وتضمه معها في رحابه.