بعد عامين من رحيله.. "الضاحك الباكي" عامر في قلوب المصريين

كتب: نورهان نصرالله

بعد عامين من رحيله.. "الضاحك الباكي" عامر في قلوب المصريين

بعد عامين من رحيله.. "الضاحك الباكي" عامر في قلوب المصريين

وجه بشوش بملامح رائقة، شعره الأبيض الذي تعبره كل واحدة منه عن قدر ما حمل من أثقال، ابتسامته الصافية كسماء يوم ربيعي، تظنها جميعًا ملامح رسمتها ريشة فنان مبدع، تشبه بحر إسكندرية الذي طالما عشقه في هدوئه أحيانًا، وحكمته وعمقه كثيرًا، وصفائه دائمًا، عاش ساخرًا يخفف الهموم بضحكة خفيفة ويحملها هو أطنانًا، فهو كما يرى نفسه "صعلوك عابر سبيل، ابن الحارة المصرية، ليس لي صاحب، لذلك كما ظهرت فجأة سوف أختفى فجأة، فحاول تفتكرني"، ليظل رغم وفاته منذ عامين، في قلوب المصريين ووجدانهم "دايمًا عامر". نجح الساخر جلال عامر، الملقب بـ"الضاحك الباكي" في نسج علاقة بينه وبين قلمه اللاذع الذي يتقلب من خلاله بين هموم وطنه، كلمات ظاهرها السخرية باطنها القسوة، لتنجح في أن تزيح تراكمات الظلم والحزن في النفوس وتضغط من خلال الضحكات على جرح غائر، ليبكينا من شدة الضحك على أنفسنا كل يوم، ويحمل الهموم في صندوق ويطوف به ليحكي حكاية مصر في كل زمان، فكان ينتزع الضحكة من قلب الصعاب، والابتسامة من على شفاه الحزن، ويزرع الأمل من عيون فقدته. ولد في ثورة ومات في ثورة، وما بين الاثنين تكمن الثورة الحقيقية والرحلة في حياة عامر، ففي عام 1952 ولد بميلاد ثورة يوليو، تخرج في الكلية الحربية، كما درس الفلسفة بكلية الآداب والقانون في كلية الحقوق، وشارك في 3 حروب، وكان أحد ضباط وأبطال حرب أكتوبر المجيدة، وقائدًا لسرية في الفرقة 18، التي كان يقودها اللواء فؤاد عزيز غالي، وشارك مع فرقته في تحرير مدينة القنطرة شرق من العدوان، فتوصل من خلال فلسفته الخاصة الناتجة عن مشاركته في الحروب إلى إن "الحرب يخطط لها الدهاة.. ويصنعها الشجعان.. ويرثها لا مؤاخذة"، وحاز على ميدالية مقاتلي أكتوبر، كما شارك في حرب تحرير الكويت. بدأ عامر، مشواره في الكتابة الصحفية مع جريدة التجمع في الإسكندرية، ونجح من خلال كتاباته أن يكرس للكتابة الساخرة بشكل كبير بالرغم من رفضه لهذا المسمى، فيقول بسخريته المعتادة "الكاتب الساخر أصبح مثل الدقيق الفاخر يباع في كل المحال، وأصبحت السخرية مهنة من لا مهنة له، زي واحد فتح دكان (الومنتال) كله يفتح دكان (الومنتال)، تفتح دكان كتابة ساخرة كله يفتح دكان كتابة ساخرة، وأنا أنأى بنفسي عن القصة دي، وأقول أنا كاتب على باب الله". التقى بقرائه كل يوم من خلال عمود يومي تحت عنوان "تخاريف" في جريدة المصري اليوم، كما كتب في جريدة الأهالي الصادرة عن حزب التجمع، وأشرف على صفحة "مراسيل ومكاتيب" للقراء في جريدة القاهرة اليوم، التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية، ما عززه بمواقفه السياسية الواضحة التي طالما انحازت للمهمشين، كان واحدًا من أعضاء اللجنة المركزية بحزب التجمع. "المصريين بيمتوا بعض"، خططت تلك الكلمات سطر النهاية في حياة الفيلسوف، بعد وفاته إثر أزمة قلبية تعرض لها أثناء مشاركته في مظاهرة بالإسكندرية عام 2012، شهد من خلالها مشهد الاشتباكات في الشارع بين الثوار والبلطجية، وهو ما لم يتحمله قلبه، فقرر أن يرحل في صمت عن عالمنا فرحل الساخر وبقيت "المسخرة". في ذكرى ميلاده الـ62 لم يمت جلال عامر، فهو باقٍ في عدد الابتسامات التي رسمها، باقٍ في وجوه البسطاء الذي طالما كان منهم ويعبر عنهم، باقٍ في الأوراق البيضاء، وفي كتاباته، وفي قدر الدموع التي زرفت وقت رحيله، ليكون رحيله بطعم البقاء.