هكذا تلقوا الخبر: «حليم» ينزف.. ونجيب محفوظ: لم أتأثر

كتب: أحمد غنيم ومحمد عمارة

هكذا تلقوا الخبر: «حليم» ينزف.. ونجيب محفوظ: لم أتأثر

هكذا تلقوا الخبر: «حليم» ينزف.. ونجيب محفوظ: لم أتأثر

فى تلك اللحظة، التى كان يتوجه فيها أنور السادات النائب الأول للرئيس لتسجيل خطاب وفاة الزعيم، كان نجيب محفوظ استقر فى جلسته المعتادة داخل مقهى «ريش» بطلعت حرب، بصحبة هؤلاء من تلاميذ الأدب الذين أتوا حالمين بـ«حكمة أو موعظة»، قبلها بدقائق غادر «يوسف القعيد» ذلك الطبيب المُجند وحدته العسكرية الواقعة فى منطقة غمرة، مُتجهاً للقاء صديقه «محمد مدبولى» صاحب المكتبة الأكثر صيتاً لرواد الثقافة فى وسط البلد، فى حين كان «عبدالرحمن الأبنودى» يقف فى شرفة منزله الواقع بالقرب من ميدان التحرير يلقى النظر على أحوال الشارع، المُنتظر لنتائج قمة إنقاذ فلسطين. يحكى الأديب يوسف القعيد لـ«الوطن» عن تلك اللحظة التى انطفأت فيها أضواء شوارع القاهرة الصاخبة، قائلاً «وقتها كنت مجنداً فى مستشفى غمرة العسكرى، فترة تجنيدى عاصرت النكسة والاستنزاف والعبور ومفاوضات السلام مع إسرائيل.. وقتها كنا نغادر ليلاً ونعود صباحاً للمستشفى، فى تلك الأثناء كانت الساعة قاربت على السابعة مساءً.. القرآن وقتها كان يذاع بلا سبب مفهوم.. حتى وصلت للقاء محمد مدبولى». يتابع القعيد «فى حوالى الثامنة مساء.. طل علينا صوت السادات ليعلن وفاة عبدالناصر، لأجد وقتها مدبولى يضرب رأسه فى حائط الكشك من الصدمة»، مع بداية السبعينات لم يكن بحوزة «مدبولى» سوى ذلك الكشك الذى يرتاده نخبة مصر، قبل أن يتحول لاحقاً لأكبر مكتبة ثقافية، حاول القعيد بحسب روايته تهدئة مدبولى، قبل أن يطل عليهما شخص من بعيد ليقول لهما «يا مدبولى الموت مش بعيد على حد.. كلنا هنموت» وينصرف سريعاً، ذلك الشخص كان «جمال حمدان»، صاحب «شخصية مصر» فى اعتقاده كان مؤمناً بأن الأشخاص فى زوال، فالأهم أن تحافظ بلادنا على ما قدمه لها ناصر. يروى صاحب «يوميات من أوراق النيل»، أنه تحرك بعدها مسرعاً نحو مقهى ريش ليتابع تلك اللحظات مع «نجيب محفوظ»، الشوارع بدأت رويداً رويداً تزدحم جنباتها من هؤلاء الزاحفين نحو منشية البكرى رغبة فى إلقاء النظرة الأخيرة، أو الذين لم يجدوا غير الشارع لعله يكون أرحم من ذلك النبأ الصاعق، القعيد ينقل العبارة الأولى عن محفوظ بعد رحيل ناصر: «يا يوسف.. موت عبدالناصر مأثرش فيّا قوى.. أنا من بعد ما مات سعد زغلول وأنا مفيش حاجة بتأثر فيّا.. وبعدين أنا راجل كبير.. الموت نفسه مابقاش يخوفنى». أديب ومجند جيش «لا يمتزجان»، لكنها كانت الحقيقة بالنسبة للقعيد، فهو الذى خلع لباسه العسكرى للمشاركة فى الجنازة، يحكى قائلاً «صباح 2 أكتوبر.. تحركت من وحدتى بعدما بدّلت ملابس الشرطة العسكرية وارتديت ملابس مدنية، اتجهت إلى ميدان رمسيس أنتظر مع عدد من أقاربى مرور الجثمان، الملايين كـ«هدير الموج» تمشى باتجاه الخليفة المأمون»، هو قرر أن يعود لوحدته، يقول «الوقت ده جوه وحدتى.. الكل بيقول مفيش أمل فى النصر.. كنا نعيش نكسة مؤكدة وشعوراً بأن معركة التحرير المُنتظرة لن تتم»، مشيراً إلى أنه رغم مرور 44 عاماً على ذكرى وفاته، لا يوجد أى عمل روائى مكتوب أو وثائقى يؤرخ ملابسات وكواليس الوفاة. سألناه «إزاى عدى عليك النهار يوم موت عبدالناصر؟» ليرد «وقتها كنا عاملين زى الجثث اللى مرمية فوق سطح البحر.. مش لاقيين حد يلمنا»، هكذا تحدث الخال عبدالرحمن الأبنودى عن كيف تلقى الخبر، يقول «شقتى القديمة كانت بجوار ميدان التحرير.. وقتها سمعت صراخاً وأصوات قادمة من الشارع»، نزل الأبنودى مسرعاً ليعرف ما يحدث، ليجد سيدة ستينية متشحة بالسواد على رصيف أحد الشوارع المحيطة بالميدان، يأمرها بالنهوض، لترد عليه «لا أنا هقوم.. ولا مصر هتقوم.. عبدالناصر مات»، وقتها أسرع الأبنودى متجهاً لمنزل العندليب عبدالحليم حافظ، ليجده مريضاً يرقد فى سريره، بعدما أصابه نزيف حاد إثر سماعه الخبر، وقتها يتذكر الأبنودى أن حرارة الجو كانت «باردة»، قائلاً «وكأن الدنيا غضبانة علينا.. أو الاستعمار بيفرح فينا ببرده لما اللى بيوجعهم مات».