"هو فيه رئيس بيموت يا باشا ؟!".. كان تعبير "زينهم" الساخر حين تلقى خبر وفاة "الزعيم" في المسرحية التي حملت نفس الاسم، الفلاسفة يقولون أن الإنسان فكرة والفكرة لا تموت، وفي واقعنا الحاكم يُعدم عشرات المرات في ميادين عامة، فتبقى رأس العروسة "الرمز" مُعلقة على مشانق الثورة، والحاكم يحيا في سجنٍ قد يقوده إلى البراح الخارجي.
في غضون أسابيع من اشتعال ثورة 25 يناير 2011، نصبت القوى الثورية والمتظاهرين محاكمات "شعبية" في معظم الميادين التي طالبت برحيل الرئيس المخلوع حسني مبارك، ارتدى أحد الثوار وجها مستعارًا لمبارك، وتم تقييد يديه بالأغلال داخل قفص خشبي، صُمم له ولعائلته، تمهيدًا لبدء وقائع المحاكمة.
برئاسة المستشار محمود الخضيري، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق رئيس نادي قضاة الإسكندرية الأسبق، كانت شعائر أولى المحاكمات الشعبية لمبارك ونظامه في ميدان التحرير، بعضوية المستشار عبدالعزيز الشرقاوي "عضو يمين"، وعصام الإسلامبولي المحامي المعروف "عضو يسار"، وكان ممثل الادعاء محمد الدماطي، وكيل النقابة العامة للمحامين، والمنتمي لجماعة الإخوان، الذي أوضح في تصريحاته أن مبارك وباقي رموز الفساد والمتهمين يخضعون للمحاكمة الشعبية، وفقًا لقانون الكسب غير المشروع، والباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات الخاص بالاستيلاء على المال العام.
كانت المحاكمة ردًا على تباطؤ المجلس العسكري والنائب العام في محاكمة مبارك ورموز نظامه، كما أعلن المنظمون حينها، ووجهت المحكمة للمتهم تهم الفساد السياسي، والتحريض على قتل الثوار، والاستيلاء على المال العام والخيانة العظمي. وطالب الإدّعاء بإعدام مبارك وأعوانه وأبنائه.
فكرة المحاكمة جاءت من الشباب، وفقا لإحدى تصريحات "الخضيري" الصحفية، مشددًا في كلمته عن عدم قبوله بأن يكون هناك رئيسا معزولا بأمر الشعب يقيم في "فندق 5 نجوم"، مؤكدًا أنه لابد من منع الاتصالات والزيارات عنه، معربا عن أمله في تنفيذ القرارات التي ستتخدها هيئة المحكمة على أرض الواقع، حيث اتخذت الهيئة من "الإعدام" حكمًا يشفي جروح الثوار.
"الدماطي" نفسه ترأس محاكمة شعبية أخرى لدمية ترتدي "البدلة الحمراء"، رمزًا للرئيس المخلوع، وسط هتافات المتظاهرين "الشعب يريد إعدام السفاح"، والتي انتهت بالحكم عليه بـ"الإعدام"، وفي محافظة السويس، ترأس قائد "المقاومة الشعبية" في المدينة، الشيخ حافظ سلامة، محاكمة شعبية أخرى لنفس الحاكم الأسبق في ميدان الأربعين، آلت إلى ما انتهى إليه السابقون.
آخر المحاكمات الشعبية المعروفة، كانت في 28 أغسطس 2013، حينما أقامت حركة شباب 6 أبريل بالإسكندرية، محاكمة شعبية للرئيس المخلوع حسني مبارك والمعزول محمد مرسي، حيث قضت المحكمة الشعبية بإعدام كل منهما، بسبب "جرائمهما في قتل المتظاهرين وإفساد الحياة السياسية"، وارتدى عضوان بالحركة الملابس الحمراء، ووضع الأول قناعًا لوجه "مبارك" و الآخر لـ"مرسي" في شكل رمزى لهما، على هامش فعالية تنظيم سلاسل بشرية أمام منزل خالد سعيد بمنطقة كليوباترا على كورنيش الإسكندرية، للتعبير عن رفضها التام لإخلاء سبيل الرئيس المعزول مبارك.
بعد كل المحاكمات الشعبية، مازال مبارك ماثلًا أمام القضاء الرسمي، لا يُدرك مصيره، هل سيؤول إلى ما أقرته الجماهير المتظاهرة ضده، أم ستكون البراءة هي الحكم النهائي؟.. فالثورة التي أطاحت به على مشارف السنة الرابع، أصدرت خلالها حكمها بالإعدام مرات عدة، وعلى الأوراق الرسمية يمكث الحاكم الأسبق، منتظرًا مصير، كان من المفترض أن يُحسم اليوم، قبل أن يعلن رئيس هيئة المحكمة مد أجل الحكم في قضية "قتل المتظاهرين" خلال أحداث ثورة 25 يناير، والفساد المالي والإداري، والإضرار بالمال العام بتصدير الغاز لإسرائيل، المنظورة من 3 أغسطس 2011، إلى جلسة 29 نوفمبر المقبل.