حبس الجميع أنفاسهم انتظاراً للحكم على «مبارك» و«العادلى»، بينما كان هو واحداً على رأس اثنين آخرين يعرفون وحدهم أن الحكم لم يحِن وقته بعد، قرر القاضى، حاد الملامح، إمهال نفسه وقتاً إضافياً لشهرين كاملين كى يعطى نفسه ومستشاريه فرصة لفحص القضية، ودراسة باقى أوراقها، وكتابة أسباب الحكم المنتظر.
المستشار محمود كامل الرشيدى، رئيس محكمة الجنايات، يظهر على الدوام مبتسماً واثقاً، يدير الجلسات بحرص على حقوق الدفاع والمدعين بالحق المدنى والمتهمين، ويبتعد عن الانفعالات أو الحديث بنبرة توحى بميله لأحد طرفى الخصومة، وهو ما يصعّب مهمة من يحاول التكهّن بالحكم حتى اللحظات الأخيرة التى ينطق فيها به.
أبدى القاضى المخضرم فى طى كلمته فى جلسة المحاكمة الأخيرة حرصاً فى أن يوضح كيف اطلع هو ومستشاراه على أوراق القضية وكيف اتبعوا إجراءات المحاكمات، شرح تفاصيل القضية التى استبدل اسمها المألوف المعروف من «قضية القرن» إلى «قضية الوطن»، وحتى أمس الأول، كان يعانى من الآلام بظهره وعينيه، بسبب دراسته لملف القضية بشكل يومى لأكثر من 20 ساعة. تلقى «الرشيدى»، أمس، أسهم النقد والهجوم بسبب سماحه لقناة «صدى البلد» بالدخول إلى محرابه وتصوير أوراق القضية التى تجاوزت 160 ألف ورقة، إلا أنه من وجهة نظره «سنَّ سُنة حسنة»، رغب من ورائها -على حد ما يرى- تشجيع القضاة على الشفافية خلال نظر المحاكمات، وطلب المساندة والعون والدعاء من المصريين له بالتوفيق.
عام ونصف العام، تحمل خلالهما «الرشيدى» عبء أكبر قضية فى تاريخ مصر، وتضاعف العبء مع تضاعف أوراق القضية لأكثر من الضعف، بعد إضافة التحقيقات التكميلية وطلبات المحامين والمستندات والأدلة الجديدة وأقوال الشهود وغيرها، وربما ستكون بضع كلمات سيتضمنها حكمه، هى نتاج قراءة مطوّلة ومكررة فى ورقة دون أخرى من بين أوراق تلك القضية، وهو أمر ليس هيناً، حتى مع تفرغه لنظر القضية.
المستشار «الرشيدى» أفرد مساحات غير مسبوقة لدفاع المتهمين والمتهمين أنفسهم للحديث، وربما التطرق إلى مسائل غير قانونية، فبعضهم تحدث عن نفسه وعن سياساته وربما حياته الشخصية، إلا أن القاضى كان لديه القناعة بأن إعطاءهم هذا الحق يغلق الباب أمام أى ادعاء بأنه أخل بحقهم فى الدفاع عن أنفسهم، إلا أن عرض تلك التفاصيل والمرافعات والخطابات فى وسائل الإعلام وبشكل مباشر يظن بعض المتخصصين أنه سيكون له أثره على تغيير رأى بعض المواطنين فى القضية وفى شخوص المتهمين.
ورغم كل شىء، سيظل «الرشيدى» هو القاضى الذى ساقته الأقدار لأن يكون أحد القضاة المصريين الذين حاكموا أول رئيس جمهورية يخضع للمحاكمة عقب الإطاحة به من منصبه، أياً ما كان الحكم الذى سيصدر فى الجلسة المحددة للنطق بالحكم فى التاسع والعشرين من نوفمبر المقبل.