"الإسكندرية.. الفاتيكان.. الكونجرس" مكتبات ضمت تاريخ البشرية

كتب: نورهان نصرالله

"الإسكندرية.. الفاتيكان.. الكونجرس" مكتبات ضمت تاريخ البشرية

"الإسكندرية.. الفاتيكان.. الكونجرس" مكتبات ضمت تاريخ البشرية

ليست مجرد أروقة ورفوف تحمل فوقها مجموعة من الكتب والأوراق، بل هي المحراب المقدس الذي يحمل بين طياته سر الكون والحياة والموت، فما يزال للمكتبات أجواؤها الخاصة وروادها، ومع اختلاف الأزمنة ظلت تحتفظ بخصوصية تفاصيلها، رائحة الكتب وملمسها، والتاريخ الذي تحمله بين أبوابها، التي احتضنت عصارة المجهود الإنساني على مر عصور مضت وأخرى مقبلة. كتب نادرة، وثائق تاريخية وأخرى مهمة، وعدد كبير من المؤلفات في مختلف مجالات العلم، تزخر بها مئات المكتبات حول العالم، تحمل من خلالها معجزة الوجود الإنساني، تحوي بين جدرانها تاريخ وحضارات وعلوم الأمم من كافة الثقافات والأجناس والأعراق وحتى المعتقدات، وفي ما يلي مجموعة من أعرق المكتبات التي قدمت تجربة متفردة للبشرية من خلال ما احتوته من كتب على مر التاريخ: "مكتبة الإسكندرية" اختلف المؤرخون حول الشخص الذي كان وراء مكتبة الإسكندرية، فهناك أقاويل ترجع بنائها إلى الإسكندر الأكبر الذي وضعها في تخطيطه لبناء المدينة، وأقاويل أخرى تتناوب بين بطليموس الأول والثاني، بينما يرجع تاريخ بنائها إلى ما بين عامي 330 أو 288 قبل الميلاد، وبالرغم من التضارب الذي يحيط بتاريخ بنائها ومؤسسها إلا إنها تعتبر من أول المكتبات في العصر القديم. جمعت مكتبة الإسكندرية بين التاريخ والأسطورة في وقتها، فضمت المكتبة بين رفوها التاريخ بذاته من علوم إنسانية، وحوت أيضًا علوم الحضارتين الفرعونية والإغريقية وبها حدث المزج العلمي والالتقاء الثقافي الفكري، واحتوت المكتبة على عدد هائل من الكتب والمخطوطات تصل إلى 700 ألف، وكان يفرض على كل عالم يدرس بها أن يدع بها نسخة من مؤلفاته، بالإضافة إلى أخذ الكتب التي دخلت عبر حيز ميناء الإسكندرية ليتم نسخ الكتب الرسمية مع الاحتفاظ بالنسخة الأصلية في المكتبة، وتسليم نسخها إلى أصحابها. وفي العام ‏48‏ قبل الميلاد، أحرق يوليوس قيصر 101 سفينة كانت موجودة علي شاطئ البحر المتوسط أمام مكتبة الإسكندرية بعدما حاصره بطليموس الصغير شقيق كليوباترا بعدما شعر أن يوليوس قيصر يناصر كليوباترا عليه، وامتدت نيران حرق السفن إلى مكتبة الإسكندرية فأحرقتها، وبالتالي ضاع معها عدد كبير من التاريخ و الحضارة الإنسانية في أكثر العصور انفتاحًا وتقدمًا. "مكتبة الفاتيكان" مخطوطات ووثائق سرية ونادرة ذات قيمة تاريخية وفكرية لا تضاهى، تجعل من مكتبة الفاتيكان ليس فقط من أعرق وأهم المكتبات حول العالم، بل من أكثرهم سرية وصرامة لما تحتويه من مجموعة كبيرة من الكتب، حيث تضم حاليًا ما يقرب من 75 ألف مخطوطة تاريخية ووثيقة تعود للقرن الأول الميلادي، و8 آلاف كتاب من أوائل المطبوعات و1.1 مليون كتاب، وبها 42 كيلومتر من رفوف الكتب. بالرغم من أن تاريخ تأسيسها الفعلي كان في العام 1475، إلا أنها في الواقع أقدم من ذلك بكثير، ولم تكن أبواب المكتبة مفتوحة للعامة، منذ البداية، إذ كان الدخول إليها مقتصرًا على مجموعة مختارة من العلماء المعروفين في العالم، والباحثين الذين وثقت أبحاثهم من إحدى أكاديميات الفاتيكان. وضعت المكتبة عدد من المحظورات والشروط التي يجب علي زوارها إتباعها، ومن يخالف تلك التعليمات يحال للقضاء، ففي البداية يخضع القارئ للفحص الأمني والتفتيش فالمكتبة تمنع الزوار من إدخال المعاطف والحقائب والمظلات والأظرف البلاستيكية والأجسام الشفافة، وتفرض على حامليها وضعها في خزانات خاصة، وارتداء ثوب معقم خاص بالمكتبة، ذلك خوفًا من الميكروبات الغريبة التي يحملها القراء، كما يمنع تمامًا، إدخال أي جهاز آلي إلى المكتبة. "مكتبة بيت الحكمة" هي التاريخ الضائع للتراث الإسلامي، فضمت عدد هائل من الكتب والمخطوطات المكتوبة بخط اليد في ذلك الوقت، وعصارة فكر المسلمين في بحلول منتصف القرن التاسع، كانت مكتبة "بيت الحكمة" أكبر مستودع للكتب في العالم، فكانت بمثابة الحوار الخصب بين الحضارات في الشرق والغرب. كانت بدايتها في القرن الثامن الميلادي علي يد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وتضم عدد من الكتب التي أحضرها الخليفة أثناء حملاته علي المدن والبلاد المختلفة، أما في عهد المأمون، شهدت المكتبة تغيرًا جذريًا في نشاطها الذي لا يعتمد علي حفظ الكتب فقط بل أصبح مركزًا منقطع النظير لدراسة العلوم الإنسانية، وتم تزويدها بمراصد فلكية لدراسة الإجرام السماوية وعلم الفلك. ضمت المكتبة عدد هائل من الكتب ومن الوثائق الأصلية النادرة من جميع بقاع العالم وتحولت إلى مركز ثقافي يقوم بالترجمة والنسخ، وجمع كم كبير من التراث الإنساني في مختلف الحضارات، تصل إلى آلاف الكتب في ذلك الوق ت. استمرت "بيت الحكمة" تؤدي رسالته الحضارية، على مدار قرون عديدة بالرغم من التدهور الذي لحق بالدولة العباسية، وانتهى الأمر بالغزو المغولي عام 1258، ليلقوا بمجهود القرون الماضية في نهر دجلة حتى تحول لون مياه نهر دجلة إلى اللون الأسود من أثر اختلاط حبر الكتب بالماء، حتى كان يعبر الجيش فوق المجلدات الضخمة من ضفة إلى ضفة أخرى. "مكتبة الكونجرس" "هي المكتبة الأكبر، والأكثر تكلفة، وأمانًا في العالم" نُقشت تلك العبارة على قبة البناية الرئيسية لمكتبة الكونجرس الأمريكي، فهي التي تتضمن مجموعة كبيرة من الكتب بمختلف أنواعها، ما يجعلها فريدة ورائدة بين نظيراتها في العالم، فالمكتبة التي تأسست عام 1800، على يد توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية، بمبلغ لم يتجاوز 5 آلاف دولار آنذاك، نجحت خلال فترة لم تتجاوز قرنين من الزمن أن تكون أهم المراكز الثقافية في العالم. بعد أن تعرضت المكتبة للحريق مرتين فقدت خلالهما عدد من مقتنياتها، تم ضم جناح جديد للمكتبة بمواد غير قابلة للاشتعال، تم افتتاحه عام 1853 في حفل كبير، والذي جعل الصحافة تطلق عليه "أكبر جناح في العالم"، كما وافق الكونجرس على بناء ملحق جديد للمكتبة، وفي عام 1930 تم بناء نفق يربط بينة وبين المكتبة الرئيسية، ولإضافة جناح بالجهة الشرقية للمبنى، فيخصص للكتب النادرة. تتكون المكتبة حاليًا 3 مبانٍ، تضم من خلالهم أكثر من مائة وثلاثين مليون مادة من كتب ووثائق وما شابه، منها 29 مليون كتاب على شكل كتالوج ومواد مطبوعة بأربعمائة وستين لغة، في المكتبة أكثر من 58 مليون وثيقة وتعتبر أكبر مرجع للمواد الحقوقية والخرائط والأفلام والمعزوفات الموسيقية.