حشود ضاقت صدورها بوجع المعيشة، احترقت حناجرها بذل الصمت، وربطت أقدامها في ساقية كسب العيش، ثلاثون عاما خمد خلالها شعب كامل، استسلم لما ظن أنه قدر السماء، وتعايش مع سوء إدارة البلاد كواقع لا مفر منه.. لكن على مقربة منه اشتعلت ثورة أطاحت بديكتاتور يحمل ملامح فرعونه.
تطلب الأمر شهرا ونصف الشهر لينفض المصريون عن أنفسهم غبار الرضا بواقع الأمور أسوة بأخوتهم في تونس، شوارع وميادين امتلأت بجماهير حاشدة هتفت:"عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية"، دون أن يعلموا حينها أن هتافاتهم ستسقط نظاما استبد بهم باسم الوطنية، ليبزغ في الأفق من يستبدون باسم الدين، ويصبح عام الثورة هو ذاته عام تأسيس "الأحزاب الدينية" في مصر التي بدأت تتساقط واحدا تلو الآخر.
"الحرية والعدالة.. النور.. الفضيلة.. الأصالة.. الإصلاح والنهضة.. والبناء والتنمية".. جميعها أحزاب إسلامية عرفت طريقها إلى الحياة السياسية عام 2011، اتخذت من الكفر بالديمقراطية دينا لها، ومن المغالبة والاستحواذ دربا وأسلوبا لممارسة العمل السياسي، مرحلة تمخضت عن فوز مرشح الحرية والعدالة، أبرز الأحزاب الدينية وأكثرها شعبية، برئاسة الجمهورية، قبل أن يطيح به الشعب مع قيام الموجة الثانية من ثورة 25 يناير في 30 يونيو من عام 2013، بدأ نجم الأحزاب السياسة في الأفول، كما حظر الدستور المصري في نسخته الأخيرة في المادة 74 وجودها من الأساس: "للمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية، بإخطار ينظمه القانون. ولا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى، أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى"، محطما آخر صخرة في محاولة تغلغل التيار الإسلامي.
رغم مرور نحو عام على إقرار الدستور الحالي، حل القضاء المصري حزبين من أصل 13 حزبا إسلاميا، هما حزبا الحرية والعدالة والاستقلال، يفسر الأمر أحمد بان، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية: "هناك فراغ تشريعي فيما يخص تجريم تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني، فالدستور يهتم بعملية تأسيس هذه الأحزاب فقط وليس بممارساتها على الساحة السياسية"، موضحا أن العديد من الأحزاب تتجاوز مشكلة التأسيس من خلال ضم الأقباط إلى صفوفها للتأكيد على عدم تمييزها بين مواطن وآخر، لكنها تقصي تلك الفئات وتهمش دورهم في ممارساتها السياسية، قاصدا حزبي الحرية والعدالة والنور.
إصدارتشريع يعني بممارسات الأحزاب الدينية إلى جانب تأسيسها بات ضرورة ملحة بعد أن أحجم الإخوان والجماعات الإسلامية عن الفصل بين الفضاء السياسي والدعوة، حسبما رأى الباحث الإسلامي، إلا أن حل هذه الأحزاب يثير تساؤلات كثيرة حول عودة أبناء التيار الإسلامي إلى العمل السري مجددا.