«الوطن» فى معقل الحوثيين: «صعدة» الحرب والدمار

كتب: رسالة صنعاء: أسامة خالد

«الوطن» فى معقل الحوثيين: «صعدة» الحرب والدمار

«الوطن» فى معقل الحوثيين: «صعدة» الحرب والدمار

لم تحظَ «صعدة»، مدينة الحوثيين، بنصيب من اسمها، ودمرت الحروب الست المدينة التى أطلق عليها الإمام «الهادى» مؤسس دولة الزيدية «مذهب شيعة اليمن» منذ 1200 عام اسم «مدينة السلام»، ويبدو أنه حلم بها مدينة للسلام فأبى أتباعه إلا أن يحولوها إلى ساحة للحرب والدمار. 6 حروب حولت بيوتها المبنية من الطوب اللبن إلى ركام وحطام، وما زال أبناء صعدة يحتفظون بمنازلهم المتهدمة ليصحبوا إليها كل زائر إلى المدينة التى تقع أقصى شمال اليمن، وليفتحوا معه مدونة الظلم والاضطهاد الذى تعرض له الحوثيون من الدولة اليمنية.
الشعارات ضد أمريكا على كل المبانى
5 ساعات قطعتها السيارة على طريق أغلبه غير ممهد، على الرغم من أن المسافة من صنعاء إلى مدينة الحوثيين لا تتجاوز 350 كيلومتراً. «وماذا أعطتنا الحكومة من قبل حتى يمهدوا لنا الطرق؟» قال «نصر»، الشاب الحوثى الذى رافقنى فى رحلتى إلى مدينة «أنصار الله والميليشيات المسلحة» التى قلبت واقع اليمن رأساً على عقب، وربما مستقبله أيضاً. سألت الشاب المتحمس عن تلك الطرق غير الممهدة، فقال ببساطة: «كل شىء فى حياتنا غير ممهد، فما بالك بالطرق؟»، صمت قليلاً وأضاف: «لا تنزعج، فالقادم أصعب»، قالها الشاب ببساطة ليلفت نظرى إلى فظاعة ما سأراه وأشاهده فى مدينته. دخلت «صعدة» 6 حروب مع النظام اليمنى من أجل السيطرة على تمرد الحوثيين المدعومين من إيران، وشاركت السعودية فى آخرها بعدما دخل الحوثيون إلى الأراضى السعودية واحتلوا تبة عالية نصبوا عليها المدافع لاستهداف قوات الجيش اليمنى. على مدخل البلدة التى يسكنها نحو مليون و600 ألف مواطن تقريباً (لا يوجد تعداد سكان حقيقى للحوثيين ولأبناء محافظة صعدة فكلها أرقام تقريبية، حسب كلام مرافقى)، وتحت بوابة ضخمة، كانت هناك لجنة أمنية شديدة الدقة هى واحدة من عشرات اللجان الأمنية التى أقامها الحوثيون على طول الطريق إلى مدينتهم، شباب صغير مدجج بالسلاح. «من أنتم وأين تذهبون؟» سألنا شاب صغير يحمل كلاشينكوف، خده منفوخ بشكل كبير من أثر القات الذى يخزنه فى فمه. يتفحص الشاب السيارة جيداً وأراد أن يفتش حقائبنا، لولا أن قال له مرافقى اسم مضيفنا وكان أحد قادة الحوثيين الكبار. لا شىء فى صعدة يعلو الإجراءات الأمنية، التى شددها الحوثيون على مداخل ومخارج مدينتهم وداخل أروقتها وطرقاتها بعد التهديدات التى تلقوها من عناصر القاعدة بتفخيخهم وتفجير صعدة. تتلقاك عبارة «الإجراءات الأمنية لك وليست عليك» أعلى الكمين لتبرر لأبناء المدينة حجم الإجراءات الأمنية، والمخاوف من هجمات القاعدة عليهم، التى يعتبرها أبناء الحوثيين الشيعة أخطر أعدائهم. طرقات المدينة واسعة ونظيفة وممهدة على العكس من الطريق الواصل لها من صنعاء، سألت مرافقى «نصر»: «من مهد تلك الطرق؟»، قال بشكل مقتضب: «الحكومة» ثم صمت. «الموت لأمريكا» شعار فى كل مكان، و«الشعار قوة وسلاح وموقف» عبارة كتبت على جدار أحد المنازل المبنية تفسر الهوس بكتابة الشعارات على كل المنازل والبيوت. على ناصية أحد الطرقات جلس طفل صغير لا يتجاوز عمره 12 سنة، تحت صورة للشهيد حسين الحوثى الذى قتل فى حرب صعدة الأولى وهو أحد أئمة الحوثيين ويبجلونه لحد القداسة مثله مثل أخيه السيد عبدالملك الحوثى الحاكم الفعلى لصعدة وإمام كل الحوثيين، كلماته سيف على رقابهم ويكفى أن تستمع لعبارة «السيد قال» ليصمت الجميع ويلتزمون بها مهما علت مكانة أو شأن المتلقى. فى البلدة القديمة بصعدة كانت أطلال المنازل تقف شاخصة إلى السماء تشكو ظلما تجرعته وحروبا طحنتها.. كان «على»، الطفل الذى لم يتجاوز العاشرة، ينظر إلينا بتفحص فالطفل الصغير لم يتعود على وجود غرباء فى مدينتهم المغلقة دائماً بأمر «السيد» وتحت وطأة الإجراءات الأمنية المكثفة لحمايته وحمايتها من هجمات أبناء القاعدة.
إجراءات أمنية مشددة فى مدخل مدينة السلام
لم يتكلم معى الطفل إلا حين طمأنه أحد أبناء سكان البلدة القديمة، حكى لى أنه يبلغ من العمر 10 سنوات وأشار بطريقة ميكانيكية إلى منزل متهدم: «هذا بيتنا دمرته الطائرات»، لم أكن قد سألته لكنه قالها وكأنه معتاد على تسويق قضية قومه الذين يعانون الاضطهاد. أمام المسجد العتيق بالبلدة القديمة كانت الإجراءات الأمنية مكثفة، ومنعت السيارات من الوصول إلى مسجد الإمام الهادى، فسألت مرافقى «أين معسكرات التدريب الخاصة بأنصار الله؟»، صمت ولم ينطق، فأعدت السؤال فقال: «عناصر أنصار الله فى الجبال»، واستدرك سريعاً: ليست معسكرات تدريب بالشكل المفهوم إنما مجرد ساحات للتدريب على إطلاق النار»، والتزم الصمت بعدها. «نحن مظلومون مضطهدون»، قال عبدالرحمن ابن مدينة «كتاف» الحدودية مع السعودية، إحدى مدن صعدة: «نحن محرومون من كل وسائل الحياة، نعانى التهميش والإقصاء ولم نتلقّ من الحكومة إلا الحروب وضربات القذائف»، صمت لحظات ثم أضاف: «هل تعرف أن الطريق الذى جئت عليه إلى صعدة كان وبالاً علينا؟ لم يكن أى حوثى يستطيع السير عليه، لجان الجيش التى كانت موجودة على الطريق كانت تقبض علينا لمجرد أننا حوثيون. الآن بعد الثورة وبعد أن انتصرنا، أصبحنا نمشى على الطرق ونتحرك بل إننا الآن نقود البلد كلها لكن بالعدل ولم نفعل معهم ما فعلوه معنا».