التغطية الإعلامية لـ"أحداث ماسبيرو" بين "التحريض" و"صوت العقل"
كانت أحداث ماسبيرو التي وقعت في أكتوبر من ذات العام الذي قامت فيه ثورة 25 يناير 2011، هي بداية الاحتجاجات والاضطرابات بين الشعب المصري وقوات الأمن، بعد أن ظن شباب الثورة، ونشطاء المظاهرات أن الأمن لم يعد كما كان قبل الثورة، فكانت المظاهرات تجتاح الشوارع بأمان دون خوف ورهبة من احتمالية مواجهة السلمية بالعنف.
بدأت أحداث ماسبيرو عندما طالب الأقباط الذي نظموا مسيرتهم من دوران شبرا باتجاه مبنى ماسبيرو، بإقالة محافظ أسوان الدكتور مصطفى السيد، بعد أحداث كنيسة الماريناب، وشهدت منطقة مبنى الإذاعة والتليفزيون مواجهات شرسة بين قوات الأمن من جهة والمتظاهرين الأقباط من جهة أخرى.
اختلفت التغطية الإعلامية لأحداث ماسبيرو، سواء من التليفزيون المصري أو القنوات الخاصة، والإعلام العالمي، وكان أبرز ما انتقد في تغطية التليفزيون المصري للأحداث هو "تحريض الشعب ضد الأقباط" الذين اتهموهم بـ"الاعتداء على قوات الجيش".
كانت تقارير التليفزيون المصري تركز على الاعتداءات التي كانت في صفوف قوات الجيش فقط دون الإشارة إلى إصابات الأقباط رغم كثرتها، ووصف التليفزيون في تقاريره الإخبارية الأحداث بـ"المؤسفة"، وأشار إلى "قطع الطريق من قبل المتظاهرين وإشعال النيران في الكاوتشوك، أمام المبنى"، وكانت الإشارة إلى رد قوات الأمن على المتظاهرين، أنهم فرضوا كردونا وقبضوا على بعض مثيري الشغب من المتظاهرين.
وطرحت الإعلامية رشا مجدي، مذيعة التليفزيون المصري سؤالا، خلال أحداث ماسبيرو التي وقعت في الـ9 من أكتوبر، مستنكرة توقيتها عقب احتفالات انتصار الحرب، وكان التساؤل، هو "لمصلحة من ما يحدث في مصر؟".
وأشارت مجدي خلال تقريرها إلى أن جميع الشهداء والمصابين من صفوف الجيش المصري، ولم تلفت إلى أعداد الأقباط سواء المصابين أو القتلى، وقالت إن ما حدث في الجيش "هو بأيدي فئة من فئات الشعب المصري"، واستنكرت حرق الوطن "لأجل بناء مبنى"، باحثة عن صوت العقل والتروي لأجل إعلاء مصلحة الوطن، وطالبت الجميع باتقاء الله في الوطن.
وعقب عدة اتهامات وجهت للتليفزيون المصري بالتحريض العلني على فئة ما من الشعب، خرج وزير الإعلام حينها أسامة هيكل رافضا تلك الاتهامات وقال إنها تنال من الإعلام الحكومي وتريد إسقاطه، كما وصف التغطية بأنها شفافة وجيدة للغاية.
وصدر تقرير عن لجنة فنية إعلامية، من ضمنها الخبير الإعلامي الدكتور ياسر عبدالعزيز، يفيد بأن التغطية الإعلامية للتليفزيون المصري لم تكن محايدة ولم يكن هناك توازن، أثر بدوره على توجهات الجمهور حيال الحدث، إضافة إلى خلط المذيعين بين الرأي والخبر، وذلك بسبب الضغط النفسي الذي وقعوا فيه نتيجة وجود الأحداث تحت مبنى عملهم مباشرة، وفق التقرير؛ بينما قال الدكتور عبدالعزيز إن التغطية اتسمت بـ"الانحياز الصارخ"، والبعد قيمة الحياد، والفقر المهني الواضح، وسوء اختيار المصادر، وافتقاد التوازن الضروري لإدراك الحقائق.
وعلى النقيض من ذلك تماما، كانت تغطية قناة "أون تي في" الفضائية، تنقل الحدث مباشرة موضحة جميع الأعداد من المصابين والقتلى من جانب قوات الجيش والأقباط، ودخلت إلى المستشفيات، وذهبت القناة إلى ما هو أبعد من ذلك حيث غطت مظاهرة للمذيعين أمام مبنى ماسبيرو تندد بسياسة الإعلام المصري وتغطيته الخبرية خلال الأحداث، وقال المتظاهرون، وهم مذيعون من داخل ماسبيرو، أن التليفزيون "أشعل الفتنة الطائفية بالفعل بين الشعب"، كما عرضت للتقارير التي تندد بتلك السياسة.
وانتهجت قناة التحرير "السياسة الوسطية المحايدة" من خلال برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى، حيث قال إن القضية لن تعالج بإدانة الأقباط وتبرئة المجلس العسكري والحكومة مما حدث، وإنما احتكم إلى التفكير وصوت العقل والمعلومات الحقيقية التي يرويها شهود العيان على أرض الواقع، وأشار إلى احتمالية أن يكون هناك مندسون بالفعل سعوا للوقيعة بين الشعب والجيش، وقال في ذات الوقت إنه لا يعقل أن يستهدف الأقباط قوات الجيش، وأكد أنه لا يعقل أن تدهس مدرعة الجيش عمدا متعمدا الأقباط أمام ماسبيرو، وطالب في النهاية بعمل تحقيق شامل حول الأحداث يكشف المتورطين في ازديادها سواء قساوسة، أو عناصر دخيلة غير مسؤولة من الجيش والشرطة، مطالبا بتعلية القانون على الكل.
أما التليفزيون الألماني، فعرض المشاهد أمام ماسبيرو، وأوضح الاعتداءات من الجانبين، حيث جاء مشهد مدرعة الجيش التي كانت تجري مسرعة ودهست أعدادا كبيرة من المتظاهرين، كما أوضح اعتداء عدد من الأقباط الحاملين صليب على أوتوبيس تابع للقوات المسلحة، وأظهر كذلك أعمال العنف من إشعال كاوتش سيارات وقطع الطريق أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون، وحرق مدرعة تابعة لقوات الجيش التي كانت تؤمن المنطقة.