«الوطن» تنشر «البرقيات المتبادلة» بين إسرائيل وأمريكا قبل وأثناء حرب أكتوبر
فى 5 أكتوبر عام 1973، كانت تقديرات مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلى، فى البرقيات المرسلة إلى السفارة الإسرائيلية بالولايات المتحدة، تشير إلى أن احتمالات اندلاع الحرب منخفضة إلى درجة التأكيد بأنها لن تندلع من الأساس، وفى يوم 7 أكتوبر من العام نفسه، كان الهدف الأساسى من برقيات مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلى، آنذاك، إلى السفارة الأمريكية، هو إحباط أى محاولة لإعلان وقف إطلاق النار من جانب الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة، حتى لا تنتهى الحرب بانتصار مصر بهذا الشكل.[FirstQuote]
هكذا تكشف البرقيات التى كشف عنها أرشيف الحكومة الإسرائيلية بمناسبة مرور 41 عاماً على حرب أكتوبر، والتى تضمنت تقديرات الحكومة الإسرائيلية للحرب فى اليوم السابق لاندلاعها وحتى يوم 12 أكتوبر.
صباح يوم الجمعة 5 أكتوبر عام 1973، تناولت البرقية التى أرسلت فى هذا اليوم الاستعدادات المصرية والسورية على الحدود، وتعزيز القوات وإعادة نشرها بالقرب من مواقع الحدود على الجانبين، إضافة إلى تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، وأجهزة الجيش الإسرائيلى، وأكدت البرقية أنه على الرغم من كل هذه المعلومات، فإن جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلى «آمان»، كان يؤكد أن احتمالات اندلاع الحرب منخفضة إلى درجة الانعدام.
البرقية التى أرسلت فى هذا اليوم تضمنت طلباً رسمياً إلى القائم بأعمال السفارة الإسرائيلية فى «واشنطن» مردخاى شلو، بنقل رسالة إلى وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر، تتضمن المعلومات عن تركز القوات المصرية بشكل حرج على الحدود الإسرائيلية.
وجاء فى البرقية أن هناك سببين محتملين لوقوع هذا التطور، الأول أن المصريين والسوريين يخشون وقوع هجوم إسرائيلى جديد، والثانى هو أن مصر أو سوريا تنوى الهجوم على إسرائيل منفردة.[SecondQuote]
وفى نص البرقية التى أرسلت فى هذا اليوم، طلب مكتب رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير من «كيسنجر»، أن تبعث الولايات المتحدة برسالة إلى مصر وسوريا والاتحاد السوفيتى من خلال القنوات الدبلوماسية، تفيد بأن إسرائيل لديها النية لقصف جيرانها، وأنه حال تجرؤ مصر أو سوريا على الهجوم على إسرائيل، فإن إسرائيل سترد بكامل قوتها، وعلى هامش البرقية، طلبت إسرائيل رسمياً من الولايات المتحدة أن ترسل إليها معدات عسكرية متطورة إذا كان هناك احتمال لاندلاع الحرب.
القائم بأعمال السفارة الإسرائيلية آنذاك رد على برقية «مائير»، بأنه نقل الرسالة بالفعل إلى الأمريكيين من خلال القائم بأعمال «كيسنجر» فى مجلس الأمن القومى الجنرال برنت سكوكروفت، وأكد أن الاستخبارات الأمريكية أيضاً ترى أن إعادة نشر القوات المصرية والسورية ما هى إلا إجراء وقائى ودفاعى، إلا أنه أبدى فى نفس الوقت نوعاً من عدم الفهم تجاه هبوط الطائرات السوفيتية فى القاهرة ودمشق لنقل عائلات الخبراء السوفيت.
وفى صباح يوم 6 أكتوبر قبل اندلاع الحرب بساعات معدودة، وبعد أن دار الاجتماع العاصف للحكومة الإسرائيلية بحضور «مائير» ووزير الدفاع موشيه ديان ورئيس الاستخبارات العسكرية إيلى زعيرا لمناقشة المعلومات التى قيل إن رئيس «الموساد» حصل عليها بخصوص اندلاع الحرب بعد ساعات، أرسل مكتب «مائير» برقية أخرى إلى السفارة الإسرائيلية بالولايات المتحدة، تتضمن طلباً إلى «شلو» ببذل كل الجهود التى يستطيع بذلها لمحاولة إقناع الأمريكيين بالموقف الإسرائيلى والتقديرات بأن الحرب آتية لا محالة، وأنه لا بد من منع اندلاع الحرب، وتوفير السلاح اللازم لإسرائيل.
وأكدت «جولدا»، فى برقيتها، أن إسرائيل قادرة على الانتصار فى أى معركة، ولكنها رغم ذلك دعت الأمريكيين إلى المحاولة بكل الطرق مع المصريين والسوفيت لمنع اندلاع الحرب.
وبالفعل ردت السفارة الإسرائيلية فى برقية أخرى بالتأكيد على أن «كيسنجر» أكد أنه بدأ بممارسة الجهود الممكنة لمنع اندلاع الحرب من خلال التواصل مع مصر، وإسرائيل، ولكن وزير الخارجية الأمريكية أوضح للسفارة الإسرائيلية بشكل مباشر أنه على إسرائيل ألا تحاول شن أى ضربات استباقية، وأنه أرسل بالفعل إلى مصر والسوفيت يخبرهم بأن إسرائيل لن تشن أى ضربات استباقية.
وبعد المفاجأة الهائلة التى وقعت على أسماع الحكومة الإسرائيلية باندلاع الحرب وبدء الهجوم المصرى والسورى، بدأت إسرائيل محاولات لمنع انعقاد مجلس الأمن الدولى فى محاولة لعدم إصدار قرار بوقف الحرب على الفور، حتى لا يقال إن مصر انتصرت بهذا الشكل، وقالت «مائير» نصاً خلال الاجتماع الأول بعد اندلاع الحرب: «لن يكون هناك أبداً أى إعلان لوقف الحرب قبل أن يعود الوضع لصالحنا»، وبالفعل أرسل مكتبها برقية إلى السفارة الإسرائيلية فى واشنطن ليل 6 أكتوبر بعد ساعات قليلة من اندلاع الحرب، وجاء فيها أنه يجب أن تكون الولايات المتحدة وإسرائيل على اتفاق كامل بأنه يجب ألا يعقد مجلس الأمن جلسته الطارئة التى دُعى إليها لاتخاذ قرار وقف الحرب. وجاء فى البرقية: «على الجبهتين المصرية والسورية لا تزال الأوضاع غير مستقرة وليست فى صالحنا، وفى نيتنا أن نضربهم حتى نطرد آخر جندى سورى ومصرى إلى خط وقف إطلاق النار»، وردت السفارة الإسرائيلية وقتها بأن الأمريكيين يعملون بالفعل على منع انعقاد الجلسة الطارئة لمجلس الأمن.
وفى يوم 7 أكتوبر، اليوم الثانى للحرب، أرسلت برقية أخرى إلى السفارة فى «واشنطن» صاغها نائب رئيس الوزراء إيجال آلون بنفسه، ووصف فيها الوضع على الأرض وتقديرات إسرائيل بأن مصر تنوى نقل قوات كبيرة إلى الجبهة مع إسرائيل للدخول إلى قلب سيناء، وأضاف: «على الرغم من التزامنا بعد شن ضربة استباقية ضد مصر وسوريا واكتفائنا بوضعنا الراهن، فإننا يمكننا أن نقول بكل ارتياح إن الوضع معقول ومُرضٍ».
وفى الأيام التالية، تواصلت البرقيات الإسرائيلية إلى السفارة لنقلها إلى وزير الخارجية الأمريكى، سعياً إلى بذل كل الجهود الممكنة لإفشال أى محاولة لإعلان وقف إطلاق النار على هذا الوضع حتى لا ينتصر المصريون.
وفى يوم 8 أكتوبر، قررت «جولدا مائير» أن تصوغ إحدى البرقيات بنفسها، وأعربت فيها عن تقديرها لـ«كيسنجر» لإفشال محاولة إعلان وقف إطلاق النار من خلال دعوة وزير الخارجية المصرى لانعقاد مجلس الأمن بشكل طارئ، وأضافت: «ليس من الملائم أن يعقد مجلس الأمن جلسته قبل أن نكسر المصريين ونعيدهم إلى أراضيهم»، وقدرت «جولدا» الوقت المطلوب لهذا الأمر بـ3 أيام فقط، وزعمت أنه فى إمكان إسرائيل أن تقصف أهدافاً استراتيجية فى عمق مصر، ولكنها تعهدت بألا تستهدف أى منطقة بها تركزات سكانية عالية».[ThirdQuote]
السفارة الإسرائيلية فى «واشنطن» ردت بالتأكيد على أن «كيسنجر» أكد، فى اتصال، أنه ليس فى وسع الأمريكيين معارضة انعقاد مجلس الأمن أكثر من هذا، وأنه على هذا الأساس، نقترح أن يعقد مجلس الأمن ويصدر قرار وقف إطلاق النار والعودة إلى خطوط 6 أكتوبر، على أن تمتد فترة المناقشات فى مجلس الأمن لأطول فترة ممكنة حتى يمكن لإسرائيل أن تعمل عسكرياً ضد مصر وسوريا، وقالت السفارة الإسرائيلية فى برقيتها إن بدء تطبيق استراتيجية «كيسنجر» التى وضعها أمر مرهون بالموافقة الإسرائيلية.
بعد ساعات قليلة من وصول البرقية من السفارة الإسرائيلية، اتضح أن المعلومات التى وصلت إلى القيادة الإسرائيلية عن الأوضاع على الجبهتين بأنها فى صالح إسرائيل غير صحيحة، وأن تلك المعلومات لا تستند على الواقع وإنما تدهور الوضع الأمنى لإسرائيل أكثر من اليوم السابق عليه، حيث نجح الجيش المصرى فى توسيع رؤوس الجسور التى أقامها على قناة السويس ونجح فى إدخال قوات جديدة إلى سيناء، وسقط بعض الجنود الإسرائيليين فى أسر الجيش المصرى، ما دفع «جولدا» إلى إرسال برقية أخرى إلى وزير الخارجية الأمريكى والرئيس الأمريكى آنذاك ريتشارد نيكسون، أكدت فيها أن المعارك عنيفة وأن الجيش الإسرائيلى يقدر أنه مع دخول قوات الاحتياط إلى حيز العمل ستنقلب الأوضاع لصالح إسرائيل، وفى ملحق البرقية، أرسلت تقديرات الجيش الإسرائيلى بأن «تل أبيب» قادرة على سحق الجيشين المصرى والسورى على أرض المعركة.
ومع تطور الأوضاع على الأرض، أرسلت «جولدا» عدة برقيات متتالية تطلب إرسال مساعدات عسكرية ضخمة إلى إسرائيل تتضمن دبابات وطائرات حربية، وبعدها بساعات أرسل «كيسنجر» إلى السفارة الإسرائيلية رد الولايات المتحدة على المطالب الإسرائيلية، وأكد أن مسألة إرسال الطائرات الحربية أمر صعب جداً، وأشار إلى أنه تلقى رسالة من حافظ إسماعيل تفيد بأن مصر تنوى توسيع رؤوس الجسور بشكل أكبر من هذا، إلا أنها على استعداد لبدء التفاوض إذا أعلنت إسرائيل عودتها إلى حدود 67.
خريطة الجبهة المصرية كما وودت فى المراسلات الاسرائيلية
"الوطن" تنشر "البرقيات المتبادلة" بين إسرائيل وأمريكا فى حرب أكتوبر
"الوطن" تنشر "البرقيات المتبادلة" بين إسرائيل وأمريكا فى حرب أكتوبر