م الآخر| الدرب لا يسعك أيها الغريب
م الآخر| الدرب لا يسعك أيها الغريب
العارفون في دروب الهوى ضلوا، واهتديت أنا، لم تكن زرقاء العينين كما تمنيت في أيام الصبا وما بعد الصبا، لم يذهب الذهب إلى شعرها كما حلمت، ولم تكن دمشقية أو فارسية.
التقينا.. تحادثنا.. لم نتحادث بغير الهمس، أخذ الهزل منا موضع في ما بيننا، منذ اليوم الأول رق قلبي لها ولان ودنا منها، كنت أعرف أن شيئًا ما فيها نحوي لكني لم أعرفه حينها.
مرت الأيام والشهور ولم أخبرها بشيء.. ليس سوى الهمس والهزل موضع الجد والصمت مقام الكلام.
أسفل الجسر التقينا، واحتمينا من شمس الغروب، يتسلل الضوء من بين ثنايا الجسر ومن بعض الدروب، تغربه السيارات المارقة بجنون لبرهات ثم يعاود الطلة إلى رؤوسنا.
الآن سأخبرها عن كل ما في قلبي لها، وعن قادم الأيام، وعن ولدنا.. سنعلمه حب الرواية والأدب سأطلق عليه "أمل"، فتتشاجر معي على أنه اسم لفتاة، يتندر به أقرانه في غرفة الصف وفي كل كشف، فأعدل عما قررت، هي تعرف جيدًا حبي لأمل دنقل.. في المساء أتصفح أوراق أبي نواس، وأذكرها بـ"رباب"، واستمع إلى "صوت الكمان"، ولا أصالح إلا بقهوة تحضرها إليّ في الليل، فأغازلها بمعسول الكلام.. نرتشف سويًا من نفس حافة الفنجان، ترتشف معنا القهوة فيروز، وتطربنا.
أُغلق الأوراق.. تثقل رأسها إلى كتفي تغفو قليلًا فأقبل وجنتيها دون أن تشعر.. أسرق شفتيها لدقائق دون مسائلة منها على عدد القبلات التي تحصيها، وأطيل النظر في عينيها، فألمح وجهها المضيء في ذوبان الثلج في الأكواب وفي فتحة الباب، وبعد ساعة الضباب.
مطلع الشهر اصطحبها إلى المطعم الفخم الجديد على كورنيش النيل، أنفق نصف الراتب في "عشاء"، أقلد الأعيان، نتندر على النادل وجيران المائدة المسنين، والحالمين والعاشقين، والمنافقين في درب الهوى.. نهاية الشهر تتشاجر معي على ثمن "كيلو لحم" ونتعارك على مصروف البيت.
ترمق "سيارة عرس" فتنبهني إلى أن وقت مصارحتها قد حان، ألمح على ظهر السيارة أزهار التوليب، سأحضرها لها في أول لقاء يجمعنا.. أعرف أنها تحبها كثيرًا، وفي غرفتها ستكون المكتبة عامرة بأملياتي ورواياتها وحبنا وفرحنا وحزننا وشجننا. تمتلئ بالأوراق وفي مزهريتنا أزهار التوليب.
أخبرتها أني أحبها.. جاوبتني بحبها غيري .. لمعت عيناي.. لم ترد عليّ، ورد عليّ دمعي، عندما تواريت خلفي، ظننت أنها ستحتضنني.