القليوبية: حكايات الذعر والهروب من «الجحيم»

كتب: حسن صالح

القليوبية: حكايات الذعر والهروب من «الجحيم»

القليوبية: حكايات الذعر والهروب من «الجحيم»

يرتبط «الثأر» ثقافياً وتاريخياً بخلافات عائلات الصعيد، حيث الصراعات القبلية والعائلية، التى تصل للقتل المتبادل بين الفريقين وتسيل فيها بحور الدماء ويكون إزهاق الأرواح فيها رمزاً للفخر والعزة لكل طرف، إلا أن الظاهرة لم تعد تقف هناك بل تعدت حدود الصعيد لتخترق الوجه البحرى وتضرب فى مقتل ريف مصر الهادئ، وتزداد مع مرور السنوات حالة الثأر والخلافات المسلحة، داخل قرى الدلتا، حتى وصلت لبعض المناطق الشعبية فى القاهرة والجيزة لتسيطر فكرة «حقى بدراعى» على الكثيرين فى هذه المجتمعات التى كانت لوقت قريب بعيدة عن أفكار العنف وسلسال الدم. وصارت القليوبية من المحافظات التى شهدت الفترة الماضية تنامى مشاكل الثأر. وتعد مذبحة عزبة الكلافين بقرية ميت العطار، بمركز بنها، التى نشبت بين عائلتى «الرفاعية» و«الكلاف» فى عام 2008 وراح ضحيتها، فى فصلها الأول 23 قتيلاً، وأكثر من 42 جريحاً، أحد أهم المشاهد للانتقام الأعمى بسبب الخلاف على قطعة أرض أشعلها قيام أحد الطرفين بمنع توصيل خط مياه للطرف الآخر، ليسقط فى هذا الصراع الذى بدأ منذ أكثر من 10 سنوات عشرات القتلى من الطرفين، وتخطاهما لحصد أرواح آخرين خارج العائلتين، شاء حظهم العثر أن يكونوا أصدقاء للطرفين، أو وُجدوا فى مسرح المجزرة بالصدفة، أو كانت لهم معاملات تجارية أو زراعية مع أحد الأطراف، أو كانوا ضمن من كتب عليهم الموت برصاص تاجر دواجن من عائلة الرفاعية أصابته لوثة عقلية، بسبب الخلافات المستمرة، فقتل 22 قتيلاً من أهالى القرية بعدما أطلق الرصاص عشوائياً تحت تأثير المخدرات. عواقب الثأر الكبير بين العائلتين لم تقف عند هذا الحد، بل تسببت فى هجرة الكثير من شباب العائلتين، خارج القرية خوفاً من القتل والثأر المتبادل، وهرباً أيضاً من الأحكام القضائية، التى صدرت بحق الكثير من العائلتين، خصوصاً عائلة الكلافين، حيث هاجرت هذه العائلة لعدة جهات، مثل منطقة العريضة بمركز طوخ التى تعد بؤرة ساخنة للأعمال الإجرامية والبلطجة وتجارة المخدرات، فيما اختبأ بعضهم فى الجزر النيلية الموجودة بين محافظتى القليوبية والمنوفية. ورغم تداول المحاكم للقضية ومحاولات الصلح على مدى السنوات الماضية حتى صدر الحكم النهائى فيها بالإعدام شنقاً لمتهم والمؤبد لـ6 آخرين والأشغال الشاقة 15 عاماً لمتهم و10 سنوات لآخر و5 سنوات لـ3 آخرين و3 سنوات لمتهم وبراءة 5 وإخلاء سبيل 3 أدوا مدة العقوبة، فإن هذه الأحكام، وفق أهالى القرية، لم ترض الطرفين، خصوصاً الكلافين، الذين يرون أنهم مظلومون، ولا يستحقون ما حدث لهم من قتل وتنكيل وتعرض بعضهم للسجن والتهجير من العزبة.[FirstQuote] وشهدت السنوات الماضية 4 حوادث ثأر متبادل، معظم ضحاياها من عائلة «الرفاعية»، بعد أن تحولت المنطقة لترسانة أسلحة بين الطرفين ومحاولة كل طرف السيطرة على الأرض محل النزاع، حتى فوجئ الجميع بقيام أحد أفراد عائلة «الرفاعية»، وهو متهم هارب فى صراعات الثأر، باستغلال فترة الانفلات الأمنى أثناء ثورة 25 يناير وهدم منازل الكلافين بمجموعة من اللوادر وطرد ما تبقى منهم خارج القرية، الأمر الذى دفعهم إلى الهجرة إلى قرية العريضة التابعة لمركز طوخ، التى تضم مجموعة كبيرة من المسجلين والخطرين على الأمن العام، واتخذوها مقراً لهم لشن الهجمات وقتل أفراد من العائلة المعادية، ثأراً لقتلاهم وطردهم من قريتهم، واعتراضاً على الأحكام القضائية التى حصل عليها أبناء الرفاعية والتى خلت من الإعدام وبرأت عدداً منهم وقرروا الأخذ بالثأر. وعلى مدار سنوات الصراع دشن عدد من شباب القرية مبادرة لوقف نزيف الدماء داخل القرية ونزع فتيل الأزمة والثأر، إلا أنها لم تنجح حتى الآن، حيث ضمت المبادرة عدداً من أعضاء الائتلافات الشبابية وكبار العائلات بالقرية وعدداً من ممثلى الأحزاب والقوى السياسية بالقرية. من جانبه قال على الهادى، القيادى الناصرى، أحد أعضاء المبادرة، نحاول وقف سيل الدماء بالقرية وإيقاف الثأر بين العائلتين، ورأب الصدع وعودة الأمن المفقود فى القرية، إلا أننا فى ظل تكرار حوادث الثأر تبوء محاولاتنا بالفشل، مؤكداً أن أبناء القرية يعانون من الذعر والخوف من استمرار الاشتباكات التى تعدت حدود القرية وحدود العائلتين، والتى توشك على كارثة بما يهدد باشتعال الأزمة من جديد، داعياً قيادات العائلتين للسعى للصلح والرضوخ لمبادرة رأب الصدع، حتى يعود الأمن للقرية، مشيراً لوجود مساعٍ حثيثة خلال الأيام الماضية للوصول لصلح نهائى بين الطرفين. وأكد محمود يوسف، نقيب المحامين بالقليوبية، أن من أهم الأسباب التى ساعدت على تفحل الظاهرة، غياب دولة القانون بمعنى الكلمة وخيبة الأمل والإحباط الاجتماعى والاقتصادى، التى تصيب المواطنين، كما أن الكثير من الشهود فى مثل هذه القضايا يحجمون عن الإدلاء بشهاداتهم، خوفاً من وقوع ضرر عليهم رغم أهميتهم فى حسم الكثير من القضايا. وأشار يوسف إلى أن الحل للقضاء أو الحد من تلك الظاهرة يكمن فى عودة هيبة الدولة والأمن القائم على تحقيق العدالة، الذى يضمن إعطاء الحقوق لأصحابها ولا يعرف التفرقة بين هذا وذاك. أما النموذج الثانى لقضايا التهجير والطرد والهروب من القرى فكان فى قرية «الدير» بمركز طوخ، حيث طرد تاجران والدهما وشقيقهما إلى الشارع، ومن القرية كلها للاستيلاء على أملاك الأب فى غيبة من القانون، حيث ألقيا بوالدهما سيد أحمد عبدالرحمن الزعبى، 72 سنة، وشقيقهما الذى رفض المشاركة فى هذه الجريمة البشعة و3 أخوات لهما من زوجته الثانية، وعلى مدار 3 سنوات ذاق خلالها الأب المكلوم المرارة فى أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم ولكن لا حياة لمن تنادى، حصل الأب على العديد من الأحكام والقرارات بتمكينه من أملاكه وضبط وإحضار نجليه، إلا أنها كلها حبر على ورق ولم تفلح معها الاستغاثات، التى تم إرسالها لكل الجهات والنائب العام ووزير الداخلية ولكن كله «محلك سر». مأساة عم سيد بدأت عندما انتهى من بناء مسجد فى شهر يوليو 2011 وبدأ الناس يتوافدون عليه لأداء الشعائر، فى الوقت الذى طلب فيه مجموعة من السلفيين والإخوان منه ترك المسجد لهم، لإقامة أنشطتهم وجعله مقراً لهم فرفض بشدة، فعرضوا على أبنائه 200 ألف جنيه لهذا الغرض، فحاولوا إقناع والدهم، ولكنه رفض فأوعز إليهم مجموعة السلفيين والإخوان بطرده. وتحت الضغط والإرهاب غادر العجوز ونجله الثالث سامى، الذى رفض مشاركة أخويه فى جريمتهما إلى محافظتى القاهرة والبحيرة، وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية حاولا بكل الطرق الودية وغير الودية وبالمحاكم والشرطة استرداد أملاكهما دون جدوى. يستنجد «عم سيد» بكل المسئولين لإنقاذه بعد أن جرده أبناؤه من كل ما يملك، حتى الدواء لا يستطيع شراءه، مضيفاً والدموع فى عينيه «دى مش نهاية اللى ربى وكبّر وبنى البيوت ليس لى إلا الله»، فيما ناشد النائب العام ووزير الداخلية العمل على تنفيذ الأحكام الصادرة لصالحه فى قضايا الطعن والتزوير ضد نجليه والتعدى بالقوة، ومنها المحضر رقم 10145 لسنة 2014 مركز طوخ، ومحضر التعدى بنفس المركز برقم 10303 ودعوى تزوير عقود برقم 6303 لسنة 2012 مركز طوخ.