"مانوليا".. القصة الفائزة بالمركز الثالث في مسابقة نازك الملائكة

كتب: غادة العبسي

"مانوليا".. القصة الفائزة بالمركز الثالث في مسابقة نازك الملائكة

"مانوليا".. القصة الفائزة بالمركز الثالث في مسابقة نازك الملائكة

مضى أكثر من ثلاثة أشهر قبل أن أزور صديقي في بيته بحي الوايلي، وكعادتي أتوقف عدة مرات في أثناء الصعود لاهثةً، ثم أستأنف ذلك العمل الشاق مع حقائبي الثقيلة، أتذكّر مع كل خطوة شعوري وأنا طفلة ينثني فخذاها وركبتاها بمشقّة فوق سلالم البيت العتيق كمن يتسلق سفح جبل شاهق لا يحسب نفسه يصل إلى قمته أبدًا، يمرّ بمخيلتي طيف القط الأسود المخيف الذي كان يستقبلني مع أبي قرب صندوق القمامة وينتفض مذعورًا عند رؤيتنا فيندفع نحوي هابطًا إلى أسفل وذيله المنتصب يحتكّ بجوربي الأبيض القصير بوروده الحمراء المتناثرة على مسافات متساوية تاركًا إياي في حالة مشابهة لذعره.. وقفتُ أمام الباب القديم أنتظر أن يفتح لي صديقي بعد رن الجرس الممتد، بشوقٍ لرؤية وجه "جانوس" البشوش، هكذا أسميتُ "جَمال" رجل البدايات والنهايات، رجلٌ يقف لي عند كل بوابةٍ في حياتي.. - مانوليتي البيضاء..تأخرتِ، افتقدتُك.. - قد أتتْكَ تعتذر.. سامحني.. - ليس قبل أن تقولي ما الخبر! برز لي في ملابسه الرياضية الجذابة وعطره الفواح الذي آلفه جيدًا، عبرتُ إلى الداخل وبصري معلّق بشرّاعة الباب الزجاجية، يأكلني الشعور ذاته في كل مرة أزوره فيها كي أفتحها وأدع ما علق بين الشرّاعة وهيكل الباب الخشبي وأسياخ الحديد المثبتة فيه من وسخ وغبار وخيوط العنكبوت الممتدة ليسقط كله على الأرض. دلفتُ إلى المطبخ بالحقائب البلاستيكية فحاولتُ أن أغضّ الطرف عن الفوضى وأحبس أنفاسي عن رائحة بقايا الأطعمة المنبعثة من الحوض الأبيض المستطيل في المنتصف وعن جحافل النمل المتكتّل في أكثر من موضع على الأرفف الخشبية المتهالكة. خرجتُ وأنا أزفر ما في صدري من هواء محبوس، أخفي انزعاجي وتغيُّر وجهي ساعلةً فأتذرّع بضيق التنفس بعد معاناة الصعود: - لقد شختُ وبيتك مازال فتيًّا مثلك لا يُقهر.. قهقه عاليًا وهو يرمقني بخبث: - كم أنتِ رقيقة يا مانوليا.. لا ينال منكِ أبدا مكر البشر، لا تهربي! ما الذي أخركِ عن حبيبك؟ -اكتئاب.. -أرجوكِ قولي شيئًا جديدًا.. -حسنًا، اكتئابٌ.. يعاودني.. -وهل شفيتِ؟ -تعالَ هنا، أين قهوتي أيها المراوغ؟ قفز من فوق كرسيه الهزّاز: هدية أبي إليه من عشر سنوات، مطفِئًا سيجارته - والتي التهمها في أقل من دقيقة - في المطفأة البلاستيكية هرمية الشكل، الملونة بنقشٍ رمادي شعبي قديم الطراز، ابتسمت وأنا استحضر اشمئزازي من تلك المطفأة منذ صغري وكيف أسهمت مبكرًا في كراهيتي المزمنة للتدخين بمنظرها العالق بذهني حتى الآن وهي تعجّ بالقذر المختلط بما حَوَته من أعقاب السجائر وبذور الفاكهة المأكولة معجونةً برمادها وأغلفة الحلوى وبقايا طعام نصف ممضوغ بصقه ابن صديقي الأصغر، أفلتُّ ضحكةً وأنا أتذكر أيضًا كراهيتي لدراسة نظريات التطور بأكملها بسبب ذلك العالِم الذي خمّن أسباب الحياة الناشئة من قميصه المتسخ المبتل بالعرق مع عدة سنابل من القمح، لم أكن أدرك حينها أن تلك المطفأة نموذج مصغّر من الحياة، كما بدا لي بعد وقتٍ طويل أن ذلك العالِم الأحمق كان على حقٍ.. إلى حدٍ ما. اتجه إلى منضدة صغيرة جانبية تستقر فوقها السبرتاية النحاس وملحقاتها، تناول زجاجة السبرتو الأحمر وبدأ يملأ السبرتاية منه باحتراف كعادته. في كنكة القهوة الصغيرة وضع البن الداكن ثم نزع الغطاء عن قارورة السكر الزجاجية، حدّق في محتواها قليلًا وبدأ يصطاد النمل الساري بين مكعبات السكر فيحطّمه بأنامله، قذف مكعبيْن ومزج الخليط بالماء ثم قرّب المنضدة إلى حيثُ نجلس، هو في كرسيه الهزاز وأنا على المقعد "الأسيوطي" الأخضر.. -هل تدري أنني لا أتناول مكعبات السكر إلا هنا لديك؟ أين مخزونك منه؟ -يا مانوليتي الصغيرة! متى تكبرين؟ افتحي هذا الدرج. هرعتُ إلى عِلَب السكر المرصوصة كأنها تنتظرني، فتناولتُ واحدةً بسرعة ثم عدتُ بها إلى المقعد وأنا أستحلب مكعبًا باستمتاع. كان يراقبني في إشفاقٍ وحبور، تجاذبنا النظرات لوقتٍ ليس بالقصير، أتأملُّ وجهه في ضوء الغرفة الأصفر، هاتان العينان لا يزال بريقهما متوهجًا كالنار ترقد تحت الماء، تضيقان عند الجانبين بفعل التجاعيد الصغيرة والتي تزداد إذا ابتسم فتزيده بهاءً، وشعره الأبيض متكثفًا في مقدمته كالجليد إذا انتثر في نهاية الأغصان،أنظر في أنفه الدقيق وشفتيه الرفيعتين الداكنتين، أكاد ألتهم وجنتيه المتقرحتين دومًا في الشتاء، مرّرتُ أناملي عليهما بحرصٍ خشيةَ أن أؤلمه: - لماذا لا تضع من الدواء الذي جلبتُهُ لك؟ - مانوليا، كنتُ أفكّر في ذلك قبل أيام، أما بعد تلك اللحظة فلن أضع الدواء أبدا. لقد شُفيتُ.. -أيها الثعلب الماكر، هيا أكمِل ما بدأناه آخر مرة.. -وما هو؟ -هل نسيت يا جمال؟ حديثك عنهن.. -مانوليتي الحبيبة، ماذا تريدين؟ -أريد أن تحكى لي كل شيء، كما كنتَ تقص على أبي.. -كفى عن استحلاب السكر وارشفي قهوتك إذن قبل أن تبرد.. -سأفعل، هيا احكِ لي.. عاد إلى الخلف فوق كرسيه مشبّكًا كفيه، وبسط قدميه إلى الأمام ثم ترك جسده لأرجحة الكرسي الخشبي، أما أنا فقد تخلصت من سترتي الثقيلة وأسندتُ يديّ تحت رأسي على مسند المقعد الصلب، أنتظر أن يمشى بأصابعه فوق شعري، قفزت أمامي صورة قديمة لهذا البيت، ومن سكنوه، ظلت الستائر القديمة في مكانها، استحال بياضُها إلى اصفرار ثم الثقوبُ الصغيرة المشغولة بماكينة "تريكو" إلى رقعٍ أكثر اتساعًا، أذكر جيدًا محتويات الشرفة الداخلية، مجموعة "الكراكيب" المكدسة في أحد الأركان، والدراجة ذات الثلاث عجلات، وكرسييْن من البامبو أظنهما قد تلفا الآن ثم مصباح صغير في الأعلى، يلتف حوله البعوض. -إنهن كثيرات يا مانوليا، كانت أولاهن جارتي "منى" والتي كتبتُ فيها ديواني الأول ولم أكن قد تخرجتُ بعد من الكلية، درعميٌّ غض تشرق عليه كل صباح فتاة دون العشرين بقليل، تلقي عليه التحايا من النظرات الخاطفة المرتبكة الخجولة، آهٍ يا مانوليا من ارتباك فتاة دون العشرين بقليل إذ تحاصرها عينا رجلٍ يحبها، فوران الأنوثة التي لم تنضج بعد في قِدرٍ من صلصالٍ ليّن انعجنت مادته بماء الورد، ذلك الذي كانت تفوح رائحته من غسيل "منى" إذ تبسطه فوق الحِبال، والتي كنت أشعر وكأنها التفت حول رقبتي لو غابت عني. نظر إليّ في حنان ثم بدأت أصابعه تعانق خصلات شعري، همّ بإشعال سيجارة فأمسكتُ يده قبل أن يفعلها فرفع يدي إلى ثغره وطبع قبلةً طويلة فوقها.. غابت أصابعه في شعري الفاحم، ورحتُ للتذكار من جديد، لاشمئزازي من أظافر ابنه الأكبر الطويلة المتسخة، ما بين زرقةٍ وسواد، تشاجرنا ذات مرة فغرز أظافره في لحمى مخربشًا إياي، كم كنتُ أمقتُه..! -و"هويدا"؟ -من قال لكِ عنها يا بنت؟ بالتأكيد أبوكِ.. رحمة الله عليه.. -رحمة الله عليه.. - صدقيني، كانت امرأة عادية للغاية، نصفها استكانة والنصف الآخر كآبة، لم يكن فيها شيء أفتقده لأستعيده في غيابها كلحنٍ يلح على الذاكرة، أو مفاتن ساحرة تدخلني عوالمَ مضيئة من اللذة، بدت مترهلة في كل شيء.. في جسدها وفي مشاعرها الفضفاضة التي تستوعب الأفراح والأتراح في بلادة.. أمر واحد فقط حملني على التعلق بها: رأيتُها تلتقط قرصًا مسكّنًا بإصبعيها ثم وضعته في فمها، دفعَت رأسها إلى الوراء قليلًا في حركةٍ رشيقة قبل أن تشرب كوبًا كبيرًا من الماء وكأنها ترغِم القرصَ على الهبوط إلى أسفل، شعرتُ بمعاناتها في أثناء ابتلاع القرص الصغير وبدأتُ أحدق فيها فأصدق أنني أمام كائن رقيق لا قِبَل له بالألم، وقتها شردت: هل أحببتُها حقًا أم خشيت فقط أن أتركَها فأسبّب لها جرحًا يؤلم ضميري؟ داهمتني تلك الصورة فجأة وبقوة: كنّا نشاهد حلقة من مسلسل تليفزيوني لا أذكر اسمه، حدث ذلك منذ سنوات طويلة.. في أواخر الثمانينات، تأهّب الممثل في زى الإعدام الأحمر إلى دخول غرفة تنفيذ الحكم، والموسيقى التصويرية الحزينة تعزف قصيدة رثاء في خلفية المشهد، مازال صوت هذا الممثل صارخًا "أنا مظلوم" يرن في أذني، سمعنا طرقًا عنيفًا على باب البيت، فتح صديقي فوجد أمامه جمعًا من الضباط والأمناء والعساكر، حدثت مشادة كلامية بينه وبينهم، انزويتُ خلف أبي خائفةً، أما زوجته "سهير" فقد تجمدت في مكانها، رأيتُهم يكبّلون صديقي بالأغلال، خُيّل إلىّ أنه مكبّل من رأسه حتى قدميه، لمعان الحديد غاص في دمعي، وصوتُ خشخشة الأصفاد جعلني أضغط أسناني بغيظٍ مع صراخ طفليه. -ما بكِ يا حبيبتي؟ -لا شيء، أكمل من فضلك.. -"حُور".. تلك كانت جنتي على الأرض، بعد أن صدر لي أربعة دواوين سافرتُ إلى تونس، صادفتها في إحدى الندوات هناك ومنذ الوهلة الأولى عرفتُ أنها ليست كمثيلاتها، تعرفين يا مانوليا، لها إطلالة ملكة، إذا اقتربَت قرأتُ في عينيها الهزيمة، حتى إذا ابتسمَت فكنتُ أنا المهزوم.. استطعتُ أن أراها جيدًا عبر نافذتين شفافتين والكحلُ يؤطرهما، ثم تعافيتُ من أثر الضحكة الرنانة التي توزعها على الحاضرين بكرمٍ بالغ، غسلتُ وجهها من المساحيق في مخيلتي وتحمّمَت أمامي بماءٍ طهور سبح فوقه بخورٌ مشتعل داهم أنفي، عندما ابتسمت لي وحدي وهي ترشف قهوتها – مثلك الآن- كانت عيونهم تلتهم ساقيها، وقتئذٍ أدركتُ أن "حور" ليست ملكية عامة كما كنتُ أحسبها، كانت فقط ملكيةً ضائعة.. -كتبت فيها ديوانًا هي الأخرى.. -مانوليا، شيئان لا سلطان لامرئ عليهما: النساء والسجن.. ألم أعلّمكِ من قبل سطوة حرف السين؟ -بلى، وغواية حرف الغين أيضًا! من منهن كانت "غينًا"؟ - بعد خروجي من السجن تحررتُ من كل شيء تلقائيًا، من قيودي كلها، عدتُ لأجد كل الأشياء في أماكنَ أخرى غير التي اعتدت عليها، الأسرة في بلدٍ آخر، تفصلنا الحدود وفروق التوقيت وحكم نهائي بالطلاق، الأصدقاء في مجموعة صور قديمة وقد هجروا أُطُر الوفاء جميعها لصديقهم المعتقل، حتى سنوات عمري غادرتْني إلى عدة أوراق موثقة من الدولة تثبت أنه قد صار لي صحيفة سوابق.. أتدرين يا مانوليتي، تغيّر الشعرُ في حلقي، أسِنت الكلماتُ في فمي، إلا هي.. بقيَت مثل نبضٍ سرمديّ في قلب الكون.. -ثريا؟ -نعم.. ثريا.. سأقول لكِ سرًا يا مانوليا، لا يغوى الرجال المنع، بل يغويهم المنع بعد المنح.. -حرفٌ واحد قد يغيّر كل شيء.. -هو ذاك.. منحتني ثريا كل شيء، أغرقتني هِباتُ الغرام المباركة في أغوار روحها وجسدها، تجاوز الأمر الالتقاء الجنسي بين وحيدين في عتمَة الليالي، مع ثريا تعلمتُ مراقبة الحيوانات والطيور، التفاصيل الصغيرة التي تختلط فيها الآدمية بالوحشية بالملائكية، صنعنا معًا شفرة خاصة بفضل لماحيتها، كتبتُ أجمل قصائدي بين نهديها، وسطرَت هي أبهى رواياتها عاريةً في أحضاني،أعذب لياليها كانت ليلةً حارة انقطع فيها عنا الماء والنور معًا، أحضرت "ثريا" زجاجةً من الماء المثلج وأفرغتها في صحنٍ عميق، بمنشفةٍ ناعمة غمرتها في الصحن ثم عصرتْها، مرّرت أليافها المبتلّة الباردة فوق جلدي المتعرّق ببطء، وبمروحتها الإسبانية العريضة أخذَت تضرب الهواء لتعطفه علىّ فترطّب مسامي، كنتُ تحت أناملها محاربًا تتطهَّر جراحُه الغائرة قبل أن يموت، أجهشتُ بالبكاء من حنانها تماما مثل يوم فعلتُ فيه الشيء نفسه من قسوة هجرانها..! أستطيع أن أميّز هذا الشعور جيّدًا، أنا أغار من "ثريا"، ومنها هي بالذات أكثر منهن، أعرف أنه مازال يعشقها حتى الآن، أدرك أيضًا أنه حرّف اسمي من "منال" إلى "مانوليا" ليستدعي جرس حرفيها الطائرين مرات ومرات، "ثريا" ليست سوى "إيمثيوس" القمر النِّد لـ"جانوس": قمري أنا، لا شيء يقدر على كسر جاذبيتهما الفريدة، هل ستبدأ دوامة التساؤلات القديمة مرةً أخرى كالعادة وتدور تروس الحيرة من جديد؟ هل أحبه حقًا أم هو مجرد امتداد لحبي لأبي: صديقه الصدوق وكل ما كان لي في هذا العالم؟ هل هو اعتياد السنوات الطويلة؟ أم أحبُّه كتحايلٍ أخير كي يظفر أحدهم بآخر قطرة حياة؟ -أظن أتى دوري لأتحدث.. -(ضاحكًا) لم تكن اللعبة تتضمن حديثك عن مغامراتك العاطفية يا مانوليا، وهل تلك الصغيرة لديها مغامرات خارج خزانة الملابس بصحبة ابن الجيران؟ -لدى الصغيرة سر دفين.. حرف السين ثانيةً.. السر أيضًا له سطوة.. ساعدني على التخلص منها.. -فنجانًا آخر من قهوةِ حبيبك؟ -لا (متناولةً قطعة أخرى من السكر، تضعها فوق لسانها وتتركها لتذوب ببطء تلك المرة ولا تستحلبها، تشرع في حديثها فتخرج الكلمات الأولى من فِيها أضخم بعض الشيء، تصارعها الدموع).. "ذلك الرجل أظن أنى سأموت قبل أن يقول لي "أحبكِ"، أفكّر طيلةَ الوقت: لماذا هو؟ هل كان الأمر كله كرهًا لأنه القدر، أم أنا التي اخترت أن أشقى بعشق رجلٍ لا أستطيع أن أتجاوزه إلى غيره؟ كيف أتجاوز ذلك الذي تهمس كل لمحةٍ فيه إلى روحي؟هو عينٌ راقبت جسدي يكبر وعرّت لحظات خجلي – مراهقةً - فستَرتْ، لسانٌ علّمني كيف أتذوق الحروف وأتنفس اللغة وأشتمّ ما بين السطور، هو قلبٌ يضخ الورود في عروقي، أمْسَك بيدي ووضعها فوق وريدٍ كبير في رقبته فقال لي أنتِ مثل هذا الوريد موجيّة، تهبين الحياةَ في هدوء ولستِ صاخبةً كإيقاع الشريان.. عندما سألتُه ذات مرة ماذا تتمنى؟ قال أريد أن أصير آخر رجلٍ يموت في الكون لأكشف سره الأعظم فوق ورقةِ شجرٍ يتشابه على نسيجها الماء والنور، ذكرٌ أبصرتُ في وجهه كل اللاتي نمن على صدره من قبل ولم أفلح في كراهيته.." - هذا الرجل سقط اسمه سهوًا من كشوف الموتى، رجلٌ مثل الماء المثلج لا يروي ظمآن يا صغيرتي، هل أخبرتُك من قبل عن شجرة المانوليا؟ هي تلك الشجرة مستديمة الخضرة، ساقها منتصبة وقمتها مستديرة، أوراقها سميكة بسطحٍ علوي لامع وآخر سفلي زغبي مغرٍ باللمس.. -وأنت "جانوس".. سأعلمك من أمرِ حرف "الجيم"، حرف الجَمال والجلال والأجرام السماوية البعيدة ولكنه كذلك حرف الجُرح والجُرم.. عند كلماتي الأخيرة تلك كان قد هبّ من كرسيه وضمّني بحنانٍ بالغ، ساكبًا فوق جبيني قبلاته المشبعة بالتبغ والقهوة، حوّل بصري كرهًا إلى تلك الزاوية التي أتجنبُها دائما وأبدًا خلف الرف الخشبي المزخرف، أغمضُ عينيّ بقوة قبل أن أراهما ثانيةً يتبادلان القُبَل: سهير.. وأبي!