تجاعيد وجهه تحكي تفاصيل سنوات طويلة مضت في أحضان مركب شراعي، في صحبة نسمات الهواء العليل ووفود السياح القادمين من كل ربوع الأرض للتمتع بمشاهدة النيل ، غدت بين عشية وضحاها خاوية علي عروشها ، وراح معها الحاج محمد الدندراوى يندب حظه،مستقرا فوق اريكته الخشبية الوثيرة ،يتكأ علي عكازه الخشبي ،متفقدا وجوه المارة وبصوت أجش يناديهم وعيونه تفيض من الدمع قائلا بحسرة " تعالي اتفسح في المركب ببلاش ".
الرجل الصعيدي قدم من بلدته بمحافظة قنا قبل 60 عاما ، ذاق رغد العيش بفضل عمله عل ظهر مركب سياحي ،اصبح مالكه بعد سنوات وجيزة ، حالة الرخاء التي تراجعت تدريجيا بعد ثورة يناير ،فبات يعض علي أنامله من الفقر قائلا في سره " هو ايه اللي حصل في البلد يا ولاد " ، مركبه النيلي الذي كان يستقبل ما يفوق عن 6 رحلات نيلية يوميا ،أصبح فقيرا بزائريه بحسب "الدندراوي " عمري ما الفلوس قلت في جيبي ،وكانت نفسي راضية ، دايما الحالة كانت زي الفل بفضل خير السياحة لكن من ساعة الثورة وكل شيء راح وانقضي ".
بحنكة سنوات عمره الثمانين ،لم يعد لدي الحاج "دندراوي " حيلة لجلب الرزق الا تقديم المغريات للزبون الذي يأتيه علي أمل التمتع برحلة نيلية بدون مقابل حسبما أعلن قبل شهر تقريبا، " اي حد يحب يفسح اهله واصحابه ،انا في الخدمة "، العرض ساري لفترة محدودة بحسبه " لغاية ما أجر رجل الزبون ويرجع يفتكرنا من جديد "،فكرة طرأت علي ذهنه قبل ان يقرر بيع المركب النيلية اذا لم تأتي حيلته بجدوي قريبا ، " هعيش منين واصرف علي علاجي ازاى ، لو الزبون ماجاش هضطر ابيع المركب واكمل حياتي مع احفادي ، وزي ما السياحة ماتت انا كمان هستني الموت ".