هدوء وسكينة يغمرانه.. وهو ينصت لصوت «راديو» أبيض صغير فى يده.. دائماً يرفعه بجوار أذنه لانخفاض صوته، يعرف من خلاله «الدنيا فيها إيه».. يديره على إذاعة القرآن الكريم أوقات التجلى والصفاء النفسى، يجلس فى الشارع منتظراً كرم ربه عليه، فى جلسته المتواضعة يخاصم كل الناس باستثناء ذاته، بجوار جدار منزل عالٍ يقطن عم «أبوحسين» منذ 20 عاماً.. فالمكان عزيز عليه وله قصة طويلة تحمل أحد معانى الوفاء، مهنته يشاركه فيها الكثير لكنه يؤمن بأن «رزقك لن يأخذه غيرك».. فثلُجَ صدره واطمأن قلبه.
«أبوحسين» سباك قديم يحتفظ بزبائنه الذين يأتون إليه وقت الحاجة، يجلس أمام «فاترينة» بشارع الزهراء فى حى الدقى، يتخذها محلاً لتسهيل العثور عليه، قبل عقدين جاء من مسقط رأسه بالشرقية ولم يتزحزح من مكانه.. اختار «الفاترينة».. وله فى اختياره حكمة معينة: «مكان معروف وعشان اتجنب ظلم الدولة»، موضحاً أنه سبق أن أجر «دكانين» فى الدقى وشارع فيصل، لكن وجد التزاماته قِبل الدولة تفوق المكسب.. فاضطر لغلقهم، «الفاترينة» حجمها لا يتجاوز متراً ونصف المتر «طول» ونصف المتر «عرض».. يتحدث عنها: «دى لا عليها إيجار ولا ضرايب ولا تأمينات ولا إشغال طريق»، ويرفض فتح محل كبير لأنه لا يستطيع إدارته، حسب قوله.
اسمه معروف.. ولا يريد الإعلان عن نفسه، فوق «محله الصغير» يكتفى «أبوحسين» بتعليق «لافتة» عليها «أبوحسين.. سباك صحى» واضعاً رقم الموبايل بجوارها، كل محتويات «فاترينته» المتواضعة «عدة الشغل» ومجموعة زجاجات مياه فارغة وكرسى حديد يجلس عليه، أحياناً يساعده فى الشغل نجله الأكبر «حسين»، المجند حالياً بالقوات المسلحة، لديه من الأبناء ولدان وبنتان ولا يقاسم رزقه «بتجيلى شغلانة بجنيه وبعشرة وبألف وكله مش وحش».
لبق ومثقف فى الحديث.. يحمل فكراً ورؤية فى الموضوعات المتكلم فيها، رضاه الداخلى تعكسه نضارة وجهه وأناقة ملبسه -حتى وهو فى العمل- يقول «أبوحسين»: إنه يُكن الفضل لصديقه المرحوم «الحاج صلاح»، الذى يقيم بجوار منزله «ده كان من ظباط الصف التانى فى ثورة 52»، الذى كتب له عقداً بمكان «الفاترينة» حتى لا يضايقه أحد، سيرة «الحاج صلاح» ذكّرت «السباك الخمسينى» بما يفعله الحى معه قائلاً: «رغم كده جم كسّروهالى أكتر من مرة وعاوزين يشيلوها.. وده عشان أنا بقول لعن الله الراشى والمرتشى».