تذكرت الراحل محمد فوزي وهو يغني برقة مرددًا "ماما زمانها جاية.. جاية بعد شوية"، تذكرت الأغنية وأنا أسمع كلمة ماما تتردد في المنزل عشرات المرات وأنا لا أقول إلا "حاضر.. دقيقة واحدة.. اصبروا شوية.. هو انتوا عليكو عفريت اسمه ماما.. يا بنتي افصلي.. يا ابني افصل.. يا عالم يا هو.. هتجننوني".
وبينما يتردد اسم ماما عشرات بل مئات المرات لا أسمع أبدًا أحدهم يخطيء فيقول "بابا". لذا أجده طوال الوقت هادئًا يفتح "اللابتوب" والتلفاز والموبايل في آن واحد وعلى وجهه شبح ابتسامة.. ظننت لبعض الوقت أنها كيدًا فيّ وسخرية مني ولكنني بعد ذلك أدركت أنني أعطي لنفسي أهمية أكبر مما ينبغي فهو لا يراني من الأساس، وربما لا يسمع النداءات والهتافات والاستغاثات والصرخات والتي لا يوجد بينهم عامل مشترك واحد إلا كلمة "ماما" فإذا حاولت أن أستجيب لهذا يخرج عليّ ذاك وإذا قررت تلبية رغبة هذه غار الآخرون.. لتعلوا نغمة جماعية وسيمفونية موحدة فتحدث بينهم منافسة شريفة ليثبت كل منهم قدراته وتمكنه وطول نفسه وسرعته في ترديد كلمة "ماما" بثبات ودون ملل أو كلل.. والطلبات معروفة ومحفوظة ولا تتغير يوميًا "عايز ساندويتش.. رجلي بتوجعني.. شيليني.. القلم وقع.. كوباية مية.. مش عايز يلعب معايا.. ضربني.. أنا بحبك.. اهرشيلي ف ظهري".
أصرخ تارة وألبي تارة وابتسم تارة، وأصيح بهستيرية تارات كثيرة.. وما أن يهدأ البيت ويستكين وينام كلا في فراشة أجلس باسترخاء لأشرب كوبا ساخنًا من الينسون أو السحلب أو الحلبة الحصى.. أو أي شيء آخر يزيل عني بعض آثار التوتر والضغوطات ليخيل إليّ وقتها في كل لحظة أنني أسمع نفس النداء وبلا توقف "ماما.. ماما.. ماما"، فأهرع لغرف الأطفال بفزع لأجدهم في ثبات عميق وأدرك بعدها أن أذني ومخي وأعضائي كلها قد أصابها تلف من سيمفونية "ماما" المتكررة لتصبح كصدى الصوت الذي يتردد بلا انقطاع وبنظرة على زوجي "الرايق".. أجده كما هو منفصل تمامًا عن واقعنا المرير فأجلس باستكانة محاولة الاستمتاع بكمّ الهدوء الذي لا يعكره سوى بندول الساعة الذي يؤكد لي في كل لحظة أنها أوقات بسيطة ويعود "المرستان كما كان".. ونمت في الكرسي الهزاز لأستيقظ فزعة وأنا أهتف كالمجنونة "من.. أين.. كيف؟!". من كان ينادي ويقول ماما؟.. وعدوت بكل ما أوتيت من قوة نحو غرفهم وكانت المفاجأة.. كانت خالية تمامًا ولا أثر فيها للحياة ودرت حول نفسي دورة كاملة كالمجنونة وأنا أبحث عنهم وبحركة تلقائية اصطدمت عيناي بصور معلّقة على الحائط..." دا شادي ومراته نورا... ودي أميرة وجوزها حسين... ودا مازن وعروسته مروة".
وكأنما صفعني أحدهم صفعة قوية على وجهي لأفيق بعدها من الغيبوبة التي كنت فيها، ولعله هروب مؤقت من الواقع فأسرعت أعدو خارج الغرفة لأجد زوجي كما هو بصحبة أجهزته لينضم إليهم أجهزة أخرى أكثر حداثة، وقد تعلقت عيناه وكل جوارحه بهم رغم الشيب الذي خطّ رأسه والأخاديد التي ملأت وجهه فلم أتمالك نفسي وجلست رغمًا عني على الأريكة لأضع يدي على خدي وأهتف من أعماق قلبي "يعني مفيش ماما.. مفيش طلبات ولا شكاوى ولا خناقات ولا صوت عالي ولا عايز دا وعايزه دي".
انحدرت من عيني دموع غزيرة وأنا أتمنى من أعماق قلبي، لو عادت بي الأيام لأفرح بصحبتهم وأستجيب لكل طلباتهم ولا أبدي أي امتعاض من كثيرة ترديدهم لكلمة ماما.. وكأنما زوجي قرأ أفكاري فوجدته يبتسم لي ويقول ساخرًا: "يا ريت متشغليليش الأسطوانة إياها.. الولاد وحشوني قوي يا أحمد.. هيجوا إمتى.. هو احنا هنفضل قاعدين لوحدنا كدا كتير.. تعالى نعزمهم بكرة.. نفسي كلمة ماما تفضل مالية عليا البيت"، ثم أحمرت عيناه وقال بغضب: "وأول ما يدخلوا ما تعديش ساعة زمن إلا وتشغلي الأسطوانة الحزايني.. العيال بهدلوا البيت.. حرام أنا تعبت.. هما بيعملوا فيه كدا ليه.. أنا صحتي مبقتش مسعداني.. فهمهم إني تعبانه كدا بصنعة لطافة عشان يروّحوا بدل ما أديهم الكلام ف وشهم وأنت عارف إني صريحة" فلم أتمالك نفسي وهتفت في وجهه قائلة: "هو أنت إيه.. ربنا خلقك مخصوص عشان تحرق دمي.. حرام عليك أنا هاطفش واسيبلك البيت.. لكن هاروح فين؟!.. مفيش غير إني اسيبلك الصالة وادخل آكل ف نفسي ف الأوضة".