مأجور

كتب: محمد فوزي عفيفي

مأجور

مأجور

كنت أتتبعه منذ يومين مستعدًا له تمام الاستعداد، واليوم قادته قدماه إلى حديقة الحيوان مع بنتيه.. لا أملك خيارًا آخر فدلفت وراءه. هذه أول مرة آتي هنا منذ حوالي ثلاثين عامًا، أيام نزهات الطفولة البريئة، تلك التي غادرتها قبل أن تغادرني، هل يمكن إنجاز المهمة هنا؟.. سنرى. كانت البنتان تتقافزان طيلة الطريق ممسكتين ببالونات الهليوم ترتديان ملابس ملونة تبرز بهجتها تناقضها مع الشعر الأسود المنسدل، وقفوا طويلًا أمام سبع البحر ألقموه عدة سمكات، وأمام الزرافة التقطوا صورًا عديدة، وهو في ذلك منصاع لهم تمامًا، خذوا وقتكم واستمتعوا، بالتأكيد لن تضمكم صور جديدة فيما بعد، فرصتكم الأخيرة لو تعلمون. غير أني بدأت أشعر بالملل- لولا فضيلة الصبر، الدرس الأول والأخير- من هذه الفسحة الإجبارية.. أريد أن أعمل.. عندما دخلوا إلى بيت الأسد انزعجت البنتان من الزئير المتواصل الذي يرتج له المكان ووضعوا أيديهم على آذانهم، عندها أخرج محفظته ونفحهما نقودًا وانطلقتا إلى الخارج. استند هو إلى الحائط لثوانٍ وقد تغضن وجهه، ثم جلس على المقعد المعدني ويده على موضع القلب. فرصتي تسنح الآن لولا بعض الزائرين، أنتظر ويدي أنا أيضًا تتحسس قرب موضع القلب حيث النتوء الأسطواني. أوقفت موسيقى شتراوس التي كنت أستمع إليها لأتأمل ذلك اللاهي العابث، كان الأسد يعبث بطعامه ويمارس عليه غرائز الصيد المتعطلة في ذلك القفص. يستعيد ذاكرة الدغل، يكمن في زاوية من العرين الاصطناعي ثم يطأطئ رأسه ويخفض جسده ويزحف قليلًا ثم يتجمَّد لثوانٍ ثم ينطلق وبقفزة واحدة ينشب مخالبه في فخذ اللحم ثم ينهش قطعة منه ثم يتركه، ليربض خلف فرع الشجرة الضخم داخل القفص ويكرر اللعبة، كم هو مفترس.. لولا القضبان لصرنا أشلاء ومزقنا.. القضبان، كم أحسده على هذه القضبان التي تحجم غرائزه وتمنع البشر من شره.. كم هي رائعة القضبان.. كم أود لو كنت مكانه، إني لا أستطيع أن ألجم شري وأغل إبليسي، لا أستطيع إلا أن أقتل ولا يعنيني السبب.. يكفيني أنك تعرف.. ويكفيني أنك تستطيع أن تدفع، ولماذا أريد أن أعرف؟.. إن كل ما أود معرفته إني أستطيع، وإني أقدر، وإني أريد.. أن أقتل.. أن أقنص.. أن أفتك. هل سأل أحدًا الأسد يومًا لماذا يقتل؟ الأنه جائع؟ وأنا أيضًا جائع.. جائع إلى القتل.. متعطش إلى الدم، وفي إحدى المرات قررت عدم قبول مهمة عمل واعتذرت إلى العميل، ومكثت أسبوعًا في الحجرة أروح وأجيء.. متوتر.. منفلت الأعصاب.. أمزق الوسائد وأنثر ريشها.. لا يقر لي قرار.. يطن رأسي.. ترتعش أطرافي.. تلسعني آلاف النحلات.. أعض على شفتاي حتى يسيل الدم.. آه الدم.. أتنسم رائحة الدم.. ألعقه، أتمثل تربصي بالهدف.. أرى انقضاضي في خيالي والجسد يهوى على الأرض، انتابتني حمى وصرت أهذي، لم أستطع الصمود أكثر من ذلك، انطلقت في الطريق المحتوم واستمعت بنزهتي بل ورفضت تقاضي الأجر. لو كان يدرك العميل أي صنيع قد أسداه لي لطالبني أنا بدفع الأجر، ولدفعته راضيًا. يخلو المكان... الآن... الآن... أضع كيس الكرز المجفف في جيبي، أقترب وأسأله عن الساعة يخفض رأسه قليلًا، يرفع رأسه عندما تتكئ الفوهة على موضع القلب العليل ويدي القوية على فمه، أغادر في هدوء وقد بلغت نشوتي والأسد ما زال يزأر ويلهو، وبالونات الهليوم في طريق العودة.