عيون مسبلة لن تنفتح.. و«قطعة شاش» تربط الرأس، وتحيط بالوجنتين الحليقتين بشفرات الحلاقة.. ثياب مموهة لا تثقل أكتافها الرتب، ولا صدورها النياشين.. أودعوا التوابيت لتشيعهم عيون «أفحمها البكاء» إلى المثوى الأخير.. ويعلن الوشاح الأسود الحداد.
عدالة نادراً ما تقع، توزع على المحافظات نصيبها من الحزن الكبير على رحيل من أزهقت أرواحهم فى غمضة عين تباعاً فى خطة مُحكمة.. لتختلف رحلاتهم الأخيرة مع إخراج الجثة المحشورة من قلب المدرعة المحترقة، حيث تفوح رائحة الشواء «شواء لحم البشر» إلى المشرحة حيث تحرر «المشارط» الأجسام النحيلة من الأعيرة القاتلة، إلى الجنازة العسكرية المهيبة التى تنعى رحيل الجنود إلى القبور.
مع اندلاع ثورة «يناير» تفكك المشهد وأُعيد تركيبه مرات ومرات، فقد كثيرون مقاعد اكتسبوها ومُلكاً لم يُكتب له الدوام. وعلى مدار السنوات الأربع الأخيرة استبدل متظاهرو «التحرير» بنوع آخر من المعارضة المسلحة العنيفة، وغاب هتاف: «يا أبودبورة ونسر وكاب.. إحنا إخواتك مش إرهاب».. ومع غيابه خفتت نغمات الأغنية «يا عسكرى أنا أصلى بس بستغرب.. لو لاقى تاكل وتشرب.. قوم يا عم اضرب».
مذابح كثيرة شهدتها مصر فى الآونة الأخيرة، استهدفت فى مجملها تجمعات لمجندى الأمن المركزى وقوات حرس الحدود، بداية من «رفح الأولى» التى استهدفت أحد أكمنة مدينة رفح الغربية فى شمال سيناء، فى توقيت الإفطار فى أحد أيام شهر رمضان 2012، ووقع خلالها 16 مجنداً، وفى مايو 2013 اختُطف عدد من المجندين كرهائن من قِبل مجموعة من المسلحين طالبوا بتحرير المتهمين فى قضايا تفجيرات طابا وشرم الشيخ فى مقابل تحرير المجندين الستة.
لاعبون جدد انضموا للمعارك الدائرة بين قوات الجيش والشرطة المصرية والجهاديين الرافضين للنظام الحالى، كـ«أنصار بيت المقدس»، التى تبنت عملية تصفية 11 مجنداً فى سبتمبر الماضى، وذبح أربعة آخرين فى الفترة ذاتها، وخرجت عمليات الاستهداف إلى خارج سيناء، حيث قُتل 22 مجنداً فى كمين الكيلو 100 بطريق الفرافرة فى محافظة الوادى الجديد.
39 استهدافاً على الأقل، بين تفجيرات انتحارية واستهداف أكمنة.. أسلحة ثقيلة وخطط أكثر تعقيداً اعتمدها الجهاديون الذين زادوا العبء على الحكومة الحالية وأثخنوا بيوتاً مصرية بالجراح، تتشح البلاد بالسواد، ويعم الحزن الجميع، بينما الدموع لا تزال باقية فى العيون.