يأبى اللون الأسود أن يفارق المواطن المصرى هذه الأيام، بداية من الهواء العامر بحرق قش الأرز الذى يعطى الأفق لوناً أسود، مروراً بالأشرطة السوداء التى تطالعهم من قناة لأخرى حداداً على المتوفين، مروراً بنوعية الأخبار التى تطالعهم من قتل للعشرات وحرق للمركبات، وجرح لمواطنين أبرياء، نوعية اصطلح المصريون على تسميتها بـ«السوداء» أيضاً.
عبدالمعطى طاهر، طالب فى السنة الثالثة بكلية طب الأسنان، يعانى من متاعب فى جهازه التنفسى، زادت من حدتها السحابة السوداء التى تغطى سماء القاهرة، حاول الهروب بإغلاق النوافذ والدخول لمشاهدة التليفزيون، لكنه اصطدم بالأخبار المتعاقبة حول التفجير والقتل والجرح، من كافة المحافظات: «اكتأبت، حاجات كتير فى البلد بتحصل خارج إرادتنا، النور اللى بيقطع، الأعمال الإرهابية، الإشارة اللى واقفة بالساعة والاتنين، الزبالة اللى مالية الدنيا وبتتحرق عمال على بطال، كلها حاجات خلّت حلم الهجرة برة البلد طموح شباب كتير».
لا يتوقف الشاب كثيراً عند اكتئابه: «صحيح الأخبار محزنة واللون الأسود فى كل مكان، لكن على الأقل نبص لنفسنا، ونبدأ بروحنا، ونتفاءل. البلد دى كويسة لكن محتاجة شوية ضبط، وإدارة سليمة، تواجه مشكلة زى قش الرز بملايين الاقتراحات اللى ممكن تحولها لنعمة بدل ما تكون نقمة، لكن للأسف نكبتنا أن المدير كلمته هى الأولى والأخيرة ومفيش نقاش ولا فيه إدارة قوية تقدر تنفذ كلامها».
«الأسود أصبح جزءًا من منظومة وطريقة تفكير المصريين» يتحدث د.أحمد عبدالله، أستاذ الطب النفسى بجامعة الزقازيق، مشيراً إلى أن واحدة من مسببات الاكتئاب والفشل الرئيسية لدى المصريين تصنيفهم للأيام، وإعطاؤها أوصافاً كأيام بيضاء وأيام سوداء، وأحداثاً بيضاء وأخرى سوداء: «التعامل مع الأحداث يجب أن يكون منطقياً وعقلانياً، خالياً من التعميم، بعض الأحداث سيئة وبعضها جيد، لكن الناس أصبحت تسمم حياتها بيدها، والتصرف الإنسانى السليم هو أن يتأمل الموقف ويرى كيف سيتعامل من منطلق التفاؤل، بدلاً من البكاء والعويل واليأس الذى أصبح سمة عامة».