السينمائيون منقسمون حول «عودة الدولة» إلى الإنتاج: ضرورية.. إنما بشروط
تظل العلاقة بين الدولة والإنتاج السينمائى مثاراً للجدل طوال الوقت بين المؤيد والمعارض، فمنذ أن بدأت مع إنشاء «ستوديو مصر» مرت بالعديد من المراحل المتباينة، بين الصعود والهبوط، التدهور والازدهار، كثافة الإنتاج وقلته، جودة المنتج الفنى وتراجع مستواه.
فمنذ إنشاء «ستوديو مصر» عرفت السينما عصراً من الازدهار وصل فيه عدد دور العرض إلى أكثر من مائة، وارتفع متوسط إنتاج الأفلام من عشرة فى السنة خلال السنوات التى سبقت إنشاءه إلى عشرين فيلماً فى السنوات التسع التالية، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تم فى هذه الفترة إنتاج 140 فيلماً، ومرت علاقة ثورة يوليو بالسينما خلال الفترة من 1952 إلى 1970 بثلاث مراحل أساسية، بدأت بالإرشاد والتوجيه، ثم الدعم والرعاية والتمويل، ثم مرحلة القطاع العام، أى إدارة الدولة للعديد من المرافق السينمائية وإدارة عمليات الإنتاج والخدمات والتوزيع ودور العرض.
بعدها بدأت مرحلة جديدة فى علاقة الثورة بالسينما، حيث صدر قرار إنشاء أول مؤسسة عامة للسينما فى مصر والوطن العربى عام 1957 باسم «مؤسسة دعم السينما» التى تحولت عام 1958 إلى «المؤسسة المصرية العامة للسينما»، وقد بدأت مرحلة القطاع العام فى النصف الثانى من عام 1963 وانتهت رسمياً فى منتصف عام 1971 عندما تقرر تصفية «المؤسسة العامة للسينما» وإنشاء «الهيئة العامة للسينما والمسرح والموسيقى» بدلاً منها.[FirstQuote]
وبكل تأكيد أثار دخول المؤسسة العامة للسينما مجال الإنتاج موجة من الخوف لدى القطاع الخاص، وتوقفت عجلة الإنتاج فى عدة شركات، واضطرت الدولة أن تنزل بسرعة إلى ميدان الإنتاج، وفى أوائل عام 1968 أعيد تنظيم المؤسسة، ووضعت سياسة جديدة لإنتاج أفلامها، وأصبحت هناك شركتان للإنتاج هما «القاهرة للسينما» التى كان يرأسها جمال الليثى، و«فيلمنتاج» التى كان يرأسها سعد الدين وهبة، وبسبب المنافسة التى نشأت داخل القطاع العام نفسه استطاعت المؤسسة أن تنتج أفلاماً من النوع الذى يحقق رسالتها مثل «ثورة اليمن» و«القاهرة 30» و«السمان والخريف». لكن جميع المحاولات ذهبت سدى، لأن منتجى القطاع الخاص استطاعوا أن يضغطوا على السلطة لإنهاء دور القطاع العام، مستغلين الأخطاء الإدارية والتنظيمية وضخامة النفقات المادية.
لم تكن تجربة القطاع العام سيئة إلى حد كبير، وفق بعض المحللين، فقد موّلت المؤسسة عدداً من الأفلام التى ينظر إليها الآن بوصفها من كلاسيكيات السينما المصرية، ووصلت الواقعية فى الفيلم المصرى إلى ذروة نضجها، مثل «القاهرة 30»، و«القضية 68»، و«الأرض»، و«الحرام»، و«سيد درويش»، و«ثورة اليمن»، و«بين القصرين»، و«قصر الشوق». وإلى جانب ذلك تأتى مرحلة مشاركة الدولة فى الإنتاج من خلال جهاز السينما التابع لمدينة الإنتاج الإعلامى الذى قدم العديد من التجارب منذ نهاية التسعينات أبرزها «معالى الوزير»، و«ملك وكتابة».
وفى السنوات الأخيرة ظهر مشروع دعم الأفلام من خلال المركز القومى للسينما، من خلال التقدم بمشاريع لسيناريوهات تحصل على دعم مادى كمساهمة فى الإنتاج، وظهرت من خلال ذلك المشروع عدة أفلام مثل: «رسائل بحر»، و«فرش وغطا»، و«فتاة المصنع» و«فيلا 69»، وغيرها. ومؤخراً تردد من جديد طرح أفكار حول مشاركة الدولة فى الإنتاج. «لو دخلت الدولة فى مجال الإنتاج السينمائى سيصبح الأمر «خراب بيوت» للسينما، حيث سيتم إسناد الأمر إما لموظفين «مرتشين» أو «فاشلين» لا يفهمون شيئاً فى صناعة السينما، الدولة لا يحق لها الدخول فى مجال الإنتاج على الإطلاق، لا من قريب ولا من بعيد»، يقول المنتج والموزع محمد حسن رمزى، ويضيف «أرفض ادعاءات البعض الكاذبة بأن الدولة عندما أنتجت فى الماضى قدمت أفلاماً جيدة، فهذا غير صحيح بالمرة، حيث إن غالبيتها كانت أفلاماً ضعيفة أو متوسطة المستوى أو شبه جيدة، وقد لجأت وقتها بعد تأميم الصناعة لمنتجين كبار لينفذوا إنتاج تلك الأفلام من خلالها، مثل عباس حلمى وجمال الليثى وغيرهما، واضطروا للعمل مع الدولة حتى لا تخرب بيوتهم ويجلسوا فى المنازل، حتى مشاركة الدولة فى دعم الأفلام أرى أن غالبية الدعم يذهب للمقربين من بعض أصحاب المصالح من القائمين على الدعم، فهذا فى رأيى نهب لأموال الدولة من موظفى الحكومة والمقربين منهم وأصحاب المصالح معهم، وليس على الدولة فى المرحلة المقبلة إذا أرادت دعم السينما سوى إنشاء منظومة سينمائية تحتوى على غرفة صناعة السينما بشكل كامل. المنتج هشام عبدالخالق ضد قيام الدولة بالإنتاج الكامل، لأنها «تستهلك أموالها فى غير موضعها، والسينما خلال العامين الماضيين لم تتأثر وفق هذا الدعم، فالمعايير تم وضعها إما من خلال أشخاص بعيدين عن الصناعة لا يعلمون عنها أى شىء، أو من يعملون بالصناعة ولهم مصالح يقومون بتفصيل المعايير عليها، لذا أتمنى من وزير الثقافة أن يجلس مع صناع السينما من منتجين وموزعين وأصحاب دور عرض، ليدرسوا حاجة هؤلاء الصناع لشكل الدعم المقدم من قبل الدولة».
واتفق معه المحلل والموزع السينمائى علاء كركوتى، حيث يرى أنه ينبغى أن يكون للدولة دور فى دعم السينما ضمن برنامج ومقاييس حاسمة وواضحة: «لكن لنكن واقعيين، هذا لن يحدث بالصيغة المثالية التى يحلم بها السينمائيون إلا قبل عدة سنوات من الآن، لأن الأمر يحتاج لتخطيط. قال الناقد على أبوشادى «نبغى أن نتفق على أن الدولة عندما تتجه للإنتاج فإنها تقدم خدمة ثقافية، ولا تهدف للربح التجارى، وبكل تأكيد سوف يحقق أى فيلم أنتج يحمل قيمة فنية مردوداً مادياً كبيراً بمرور الوقت، وخير مثال على ذلك فيلم مثل «المومياء»، أما عن دعم الأفلام فهو فى رأيى الأكثر ملاءمة للوقت الحالى والظروف التى نعيش فيها والتى لا تسمح بدخول الدولة فى مجال الإنتاج، ولكن ينبغى أن يكون هناك نوع من العدالة والشفافية فى منحه، وأرى أن التجربة التى نفذت فى البداية بمنح دعم عينى وليس مادياً هى الأفضل فى رأيى، ولا بد من وضع ضوابط تضمن الحفاظ على المال العام».[SecondQuote]
وأخيراً يتحدث الناقد د. وليد سيف، رئيس المركز القومى للسينما، قائلاً: «أؤمن أن دعم المشاريع السينمائية هو الحل الأمثل فى الظروف الحالية التى تمر بها السينما، وذلك على الرغم من قيام مؤسسة السينما فى السابق بتقديم أفلام كثيرة مميزة، إلا أنها ساهمت فى غياب دور منتج القطاع الخاص، بما يمثله من دور حيوى فى العملية الإنتاجية، وعليه فإن دعم السيناريوهات والمشاريع التى تستحق هو أفضل دور تقوم به الدولة فى ظل الظروف الراهنة».