من قلب الشريط الحدودى مع قطاع غزة، ترصد «الوطن» طبيعة الأوضاع الراهنة هناك على الأرض، وما وصلت إليه عملية إخلاء منازل أهالى سيناء، فى المنطقة التى شملها قرار الإزالة، وتطبيق قرارات التعويض المادى للأهالى، ومدى قبولهم واستجابتهم لعملية الإخلاء.[FirstQuote]
وقالت مصادر سيادية مسئولة إنه جرى تدمير أكثر من 180 منزلاً منها، من إجمالى نحو 850 منزلاً يشملها قرار الإزالة ضمن مسافة الـ500 متر بالمنطقة العازلة على طول الشريط الحدودى مع قطاع غزة، إضافة لصرف تعويضات بنحو 160 مليون جنيه حتى أمس، لأصحاب المنازل التى جرى إخلاؤها من إجمالى حجم الميزانية المخصصة لتعويض سكان المنطقة العازلة التى تقدر بمليار جنيه.
وأشارت المصادر لـ«الوطن» إلى العثور أسفل المنازل التى جرى تدميرها على ما يقرب من 50 نفقاً، كانت أغلبها تخرج من غرف تلك المنازل، لافتة إلى صرف تعويضات لكل أسرة بواقع 1200 جنيه للمتر المربع، بالنسبة للمبانى الخرسانية، و700 جنيه للمتر للمبانى المقامة على حوائط حاملة، مضافاً إليها 100 جنيه كقيمة تعويضية لكل متر مربع من الأرض المقام عليها المبنى إلى جانب 900 جنيه لكل أسرة لتدبير مسكن لمدة 3 أشهر بواقع 300 جنيه شهرياً.
وأضافت أن بعض السكان وافقوا على التعويض المادى فقط، فيما فضّل آخرون الحصول على تعويض مادى وتوفير سكن بديل لهم سواء فى العريش أو فى أى منطقة أخرى. وبحسب المصادر، فإن الجهات المسئولة لم تتخذ قراراً حتى أمس بتوسيع نطاق هدم المنازل، حيث سيتم الاقتصار على مسافة الـ500 متر فى الفترة الحالية، مؤكدة أن كل منطقة تُخلَى يقوم الجيش بتسويتها وتمهيدها لتكون المنطقة مؤمّنة بدون أى مرتفعات، وذلك لتسهيل عمل القوات فى تأمينها واكتشاف أى أعمال إرهابية أو محاولة لشق أنفاق أسفلها.
وقالت المصادر إنه من المقرر الانتهاء من عملية الإخلاء فى غضون نحو من 30 إلى 35 يوماً، وبعد ذلك تجرى عملية رفع الأنقاض من المنطقة، وإنشاء نقاط أمنية لقوات حرس الحدود والداخلية بالمنطقة، علاوة على أكمنة شديدة التأمين. وأضافت أنه يجرى حالياً التفكير فى إنشاء حوائط خرسانية شديدة الصلابة أسفل الأرض بأعماق من 20 إلى 50 متراً يصعب شق أنفاق خلالها، موضحة أن فكرة شق قناة مائية بطول الشريط الحدودى كحائل أمام شق أنفاق جديدة، تم تأجيلها نظراً لارتفاع تكلفتها.[SecondImage]
ويعود تفاقم أزمة الأنفاق الحدودية بين سيناء وغزة إلى منتصف عام 2007، عندما انقلبت حركة «حماس» على السلطة الفلسطينية فى غزة وسيطرت على الحكم، فأغلقت مصر وإسرائيل المعابر الحدودية مع القطاع خوفاً من امتداد أعمال العنف إليهما، وهو ما تسبب فى أزمة كبيرة داخل غزة بسبب الحصار الإسرائيلى المشدد ونقص بعض المواد والمنتجات فى القطاع، فبدأت حركة «حماس» حفر الأنفاق تحت الحدود المصرية لتسهيل الانتقال إلى الأراضى المصرية ذهاباً وإياباً دون مساءلة، وبالفعل كلما زادت إسرائيل من حصارها ضد القطاع، استغل أهل غزة الأنفاق لتسهيل حركتهم والانتقال من القطاع وإليه.
وتعد نقطة البداية لأغلب أنفاق التهريب هى الدور السفلى لبعض المنازل فى القطاع، ويصل عمق النفق الطبيعى إلى 30 متراً تقريباً، ويمتد إلى ما يقرب من 800 متر، بينما هناك بعض الأنفاق على عمق وامتداد أكبر بحسب مواد البناء المستخدمة فيه والغرض الأساسى من إنشاء النفق، حيث إن بعض الأنفاق يتم إنشاؤها بغرض انتقال الأشخاص فقط، بينما هناك أنفاق أخرى تستخدم لنقل السلع والبضائع وتهريب المنتجات المختلفة، وهناك أنفاق تتسع لسيارات بأكملها تتنقل ما بين القطاع وسيناء بحرية كاملة.
ورغم أن العدد الرسمى للأنفاق غير معروف، فإن المحللين يقدرون أعدادها بـ1800 على الأقل، تتراوح ما بين أنفاق تهريب للأسلحة وأنفاق تهريب البضائع وأنفاق نقل الأشخاص. ويشير معهد فلسطين للدراسات والأبحاث، فى دراسة نشرها مؤخراً باللغة الإنجليزية، إلى أن تكلفة النفق الواحد تتراوح ما بين 80 و200 ألف دولار، مؤكداً أن حركة «حماس» استغلت سيطرتها الأمنية على القطاع، ودفعت الوعاظ والخطباء فى المساجد إلى الإشادة بأهمية تلك الأنفاق ووصفها بأنها «نشاط مهم للمقاومة»، إضافة إلى وصف كل من يموت فى انهيار تلك الأنفاق خلال أعمال إنشائها بـ«الشهيد».
وبحسب المعهد الفلسطينى، فإن استخدام «حماس» للأنفاق لم يتوقف عند حد إدخال بعض السلع والمنتجات الناقصة فى القطاع، وإنما وصل الحد إلى أن مستثمرين ومن بينهم أعضاء فى «حماس» جمعوا أموالهم من خلال شبكات المساجد التى كانوا يستغلونها للحصول على التبرعات، تحالفوا مع العائلات التى تسيطر على التجارة الحدودية بين القطاع وسيناء، وبالفعل بدأوا إنشاء عدد ضخم من الأنفاق تنوعت استخداماتها ولم تعد تقتصر على السلع والبضائع فقط.
ولأن ظاهرة الأنفاق تعاظمت بشكل كبير داخل القطاع، كان لا بد للحركة التى حكمت غزة على مدار السنوات الـ7 الماضية، أن تجد حلاً تجعل من خلاله استخدام تلك الأنفاق شرعياً بالنسبة إليها، وبالفعل بدأت فى وضع تشريعات وقوانين مختلفة تضفى الشرعية على استخدام الأنفاق، ووضعت قواعد عدة، أهمها أن تكون هى المشرف الأول على عمل تلك الأنفاق، حتى الخاصة التى لا تخضع لها حكومياً، وباتت تحصل على ضرائب ورسوم على العبور من خلالها.[ThirdImage]
وبحسب دراسة نشرها موقع «ألمونيتور» الأمريكى، فإن «حماس» تحصل على ما يقرب من 8.3 مليون دولار كضرائب على الوقود المهرب من مصر، إضافة إلى ضريبة 5.54 دولار على كل طن أسمنت يتم تهريبه عبر الأنفاق، وبشكل طبيعى، يتم تهريب نحو 70 ألف طن من الأسمنت شهرياً إلى داخل القطاع من خلال تلك الأنفاق.
وتقول صحيفة «وورلد تريبيون» الأمريكية، إن «حماس» صنعت ثروة ضخمة من خلال «بيزنس» الأنفاق الذى أصبح هو المحرك الأساسى للاقتصاد فى قطاع غزة، مشيرة إلى أن حكم الرئيس المعزول محمد مرسى والجمهورية الإيرانية، أسهما إلى حد كبير فى هذا الأمر، حيث سمحوا بتزويد «حماس» بالتكنولوجيا المتطورة التى مكنتها من تطوير عمل الأنفاق، وهو ما بدا جلياً فى أعقاب الحملة المكثفة التى شنها الجيش المصرى منذ عزل «مرسى» ضد الأنفاق، حيث تسبب إغلاق عدد كبير من الأنفاق فى أزمة اقتصادية طاحنة داخل القطاع، تسببت فى عدم حصول موظفى «حماس» على رواتبهم لأشهر عديدة، بشكل أجبر الحركة فى النهاية على توقيع اتفاق المصالحة مع حركة «فتح»، للهرب من تلك الأزمة.
وعبّر سكان الشريط الحدودى فى رفح لـ«الوطن» عن استجابتهم لعمليات الإخلاء التى تجرى حالياً، وقالوا إن جدودهم وآباءهم قدموا أرواحهم فداءً لمصر، وهم اليوم يكملون التضحية ويستجيبون لإخلاء منازلهم ما دام ذلك فى خدمة الأمن القومى، لكن عدداً من الأهالى شكا من عدم صرف التعويضات لهم حتى الآن، ومن أن التعويضات التى رصدتها الدولة لهم «غير كافية».
وقال أحمد إسماعيل، 59 عاماً، إن سكان الشريط الحدودى استجابوا للإخلاء طالما أنه فى صالح الأمن القومى، وأضاف: «إحنا كمصريين تحت أمر الأمن القومى»، «الطوبة الواحدة فى بيتى تساوى 7 مليون، لكنهم وعدونى بـ 700 ألف جنيه تعويض عن بيتى، وما صرفوش حاجة لغاية دلوقت»، ويتابع «إحنا عددنا هنا 25 ألف نسمة تقريباً، عايشين فى 500 متر، إذا كان هُمّا دول المؤثرين على الأمن القومى، يبقى إحنا نموت عشان يعيش التسعين مليون».
ويتابع «أحمد» قائلاً: «أتحدى أى واحد فى مصر كلها قدم اللى إحنا قدّمناه، إحنا بنقدم شهداء من جدود جدودنا، ولما ييجوا يرحّلونا دلوقتى بنقبل ونستجيب، البيوت دى أساس وتاريخ، ده باب مصر الشرقى، الشعب المصرى اللى بيسمع فى الإعلام عننا، عايز أقول له الشعب السيناوى أرجل ناس فى مصر، واللى إحنا قدمناه من شهداء وتهجير والوجع ما حدش شافه». وقال أحمد سالم، 22 عاماً، إن الحكومة وعدت أسرته التى تضم والده ووالدته و9 أشقاء، مقسمين إلى 4 أسر، بصرف تعويض قيمته 80 ألف جنيه، متسائلاً: «طب إزاى 4 أسر ياخدوا 80 ألف جنيه دول حتى ما يشتروش حتة أرض».
وأضاف «سالم» أن أسرته انتقلت للعيش فى شقة إيجار بمنطقة الأحراش برفح بقيمة 700 جنيه، و«المحافظة قالت هتدينا 300 جنيه عشان نؤجر شقة، طيب هيكفوا إزاى الإيجار».
وتابع: «لم يعد لدىَّ عمل وخسرت بيتى ومكانى، ولا مأوى ولا أرض نحتمى فيها، حتى الأكل مش لاقيينه، وبنروح للجيران اللى بيوتهم برة المنطقة المخلية وناخد منهم أكل».
وقال شقيقه أحمد: «البيت كله ممكن ما يسواش 10 آلاف جنيه، لكن إيه ممكن يعوضنا عنه، والله لو أخدت 100 جنيه عن كل طوبة لن تعوضنى عن بيتى».
وقال شادى سالم «كهربائى»، إن مصيرهم بات غير معلوم، فهو وأولاده وعائلته انتقلوا أمس إلى شقة بالإيجار، لكنه يتساءل «ما عندناش فلوس نشترى بيت جديد، وكمان ما فيش شغل»، وقال أبوإسلام «بائع خضر»: «أنا ذنبى إيه ما أخدتش تعويض عن بيتى اللى اتهد، عشان البيت اللى جنبى كان فيه نفق»، وقال الحاج فؤاد: «أنا أكيد مش راجع تانى، لكن ياريت يدّونا تعويض مناسب، فإذا كان ترك مسافة 500 متر على الحدود فى مصلحة الأمن الوطنى، على العين والراس، وجميعاً نوافق عليه، لكن أن نؤخذ بذنب الأنفاق، وأن نترك بيوتنا فى يوم وليلة، دون أن نجمع كل ما لدينا فيها، فهذا ظلم كبير».