السينما والإرهاب: العنف يواصل «الدم».. والشاشة ترد بـ«التجاهل»
انفجارات وعمليات إرهابية هنا وهناك، ويوماً بعد الآخر ترتفع أعداد ضحايا أبناء الوطن بسبب الإرهاب الذى يحيط بنا جميعاً.. الإرهاب الذى اختلف فى مفهومه وأدواته وعناصره عن الماضى وازداد إجراماً وتوحشاً، وظهرت جماعات إرهابية منظمة أمثال «داعش» وتنظيم «بيت المقدس» والجماعات التكفيرية فى سيناء، تدعو الشباب للقتل والسرقة واغتصاب النساء وبيعهن باسم الدين والجهاد، ولم تعد هذه الجماعات مسلحة بأسلحة بسيطة، مثل السكين أو السيف أو المسدس، أو حتى بسلاح آلى كما كان يحدث سابقاً، ولكنها أصبحت مسلحة بأسلحة جيوش، ومضادات للطائرات، وقنابل شديدة الانفجار. ومن هنا كان السؤال الضرورى حول دور الفن فى مواجهة هذا الإرهاب الجديد، وكيف يستطيع المنتجون والفنانون تقديم أعمال سينمائية جديدة تواكب العصر الحالى، وتواكب خطورة إرهاب اليوم الذى اختلف عن الأمس، خاصة أن السينما المصرية ناقشت قضية الإرهاب بسطحية شديدة، ولم تهتم بتفاصيل وجذور المشكلة، إلا فى عدد قليل من الأعمال السينمائية.
فى التحقيق التالى توجهنا بسؤالنا لعدد من الفنانين والمخرجين والمنتجين والمؤلفين عن كيفية مواجهة الفن والسينما لهذا الإرهاب الجديد؟
قال حسين فهمى إننا نحارب الإرهاب طول عمرنا من خلال أعمالنا الفنية، سواء فى السينما أو التليفزيون أو المسرح، واستطعنا أن نناقش قضية الإرهاب منذ الخمسينات والستينات والتسعينات فى أكثر من فيلم، مثل: «الإرهابى» و«الإرهاب والكباب» لعادل إمام، وللأسف طوال الوقت نحن معرضون للإرهاب الفكرى، فلا نستطيع أن ننسى محاولة اغتيال كاتبنا الكبير نجيب محفوظ على يد الإرهاب، ثم إن الإرهاب الفكرى أخطر بكثير من الإرهاب الجسدى، لأنه يقوم بزرع مفاهيم خاطئة فى عقول الناس والشباب، وفى النهاية يتحول الشخص لإرهابى يدمر البلد ونفسه، وهو ما يجب أن تركز عليه السينما فى الفترة المقبلة.
أما محمد صبحى فقال: إن الفن تراجع كثيراً، وأصبح مهمشاً، فكيف يستطيع الفن مقاومة الإرهاب، وهو لا يستطيع تغيير أبسط الأمور، مثل الانفلات الأخلاقى وتغيير صورة المرأة والابتعاد عن المخدرات التى يروج لها فى أعمالنا الفنية، وللأسف استغل تجار الدين كل تلك الأمور وقاموا بتكفيرنا وصوّرونا وكأننا أمة فاسدة ونحتاج إلى تقويم سريع، ولكى يستطيع الفن مقاومة الإرهاب لا بد أن نقدم أعمالاً تدعو للانتماء للوطن، وتركيز السينما والإعلام على النماذج الإيجابية فى المجتمع وعدم التركيز فقط على النماذج السلبية. ثم إن وزارة الثقافة للأسف ليس لها استراتيجية واضحة، وللأسف فإن كثيراً من الشباب غُرر بهم وبأفكارهم، ولذلك فالأعمال الفنية لا تكفى، ولا بد من عمل ندوات ولقاءات فكرية مع الشباب لتوعيتهم بالخطر الذى يواجه مصر من الداخل والخارج، وأضاف أنه يقوم أسبوعياً بعمل 3 ندوات فى جامعات مختلفة لتوعية الشباب، و«فخور بالكثيرين منهم الذين يختلفون معى بأدب واحترام».[FirstQuote]
ولأحمد بدير رأى آخر فى الموضوع، خاصة أنه قدم أكثر من عمل سينمائى ناقش قضية الإرهاب، ومنها فيلم «الإرهاب» الذى أخرجه نادر جلال، وفيلم «حين ميسرة» للمخرج خالد يوسف الذى سلط الضوء على الإرهابيين وانتشارهم فى العشوائيات، وقال «بدير»: للأسف مصر الآن مقسمة إلى أناس أصحاب عقيدة فاسدة، وهؤلاء مغيبون وولاؤهم الأول يكون للجماعة، ولكن من خلال الفن والسينما نستطيع تغيير سلوك الناس وتبنى قضايا معينة، وإذا توقف الإنتاج الخاص عن تقديم أفلام تناقش القضايا الشائكة فى مجتمعنا، فعلى القطاع الحكومى وتليفزيون الدولة أن يعود إلى الإنتاج بأسرع وقت ويفيق من الغيبوبة ويضع ميزانيات لإنتاج أعمال قوية ومحترمة تستطيع أن تقف أمام قطر وتركيا وبعض منظمات حقوق الإنسان التى تطالب بالحرية لبعض الناس، وحين يُقتل أبناؤنا فى الجيش والشرطة لا نسمع لها أى صوت.
أما نبيلة عبيد فقالت إننا طول الوقت نحارب الإرهاب من خلال أفلامنا ومهرجاناتنا واجتماعاتنا الفنية، ولا بد أن نستمر فى تقديم الأعمال الفنية لنوضح للناس حقيقة هؤلاء الإرهابيين المتاجرين بالدين.
من جانبها، قالت هالة صدقى إن إرهاب التسعينات اختلف كثيراً عن إرهاب اليوم، ولذلك لا بد أن نقدم أفلاماً سينمائية جديدة مواكبة للعصر الحالى، بكتابات أكثر عمقاً فى قضية الإرهاب، واستخدام المخرجين لتقنيات فنية حديثة لكى يستوعبها شباب اليوم.
ويتفق معها فى الرأى عزت العلايلى، قائلاً إن الفن لا ينفصل عن السياسة، لأن الفيلم السينمائى أو العمل التليفزيونى يحكى واقعاً سياسياً أو اجتماعياً، أى نتحدث عن السياسة بلغة الفن، لذلك يجب تقديم أعمال كثيرة تناقش قضية الإرهاب وكيفية التغلب عليها، ومن الأفضل تقديم فيلم عالمى ضخم مترجم بكل اللغات لتوضيح حقيقتهم للعالم كله، ويجب على الدولة التدخل بأقصى سرعة لإنتاج أفلام سينمائية تناقش قضايا الإرهاب، وذلك ما طالب به الرئيس عبدالفتاح السيسى أثناء لقاء الفنانين معه، وقال أيضاً إننا لا نستطيع أن ننسى طلعت حرب الذى قام ببناء «بنك مصر»، وأسس 34 شركة، وكان منها «استوديو مصر»، وأراد أن يؤسس السينما المصرية، وأرسل المخرجين فى بعثات للخارج لتعلم أصول السينما. وأيضاً لا يمكن أن ننسى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، الذى أسس مؤسسة السينما التى قدمت مجموعة من أهم الأفلام فى السينما المصرية، لذا يجب أن تعود الدولة لتقديم هذه القضايا المهمة فى السينما ورصدها ومناقشتها بجدية.
ويقول المخرج على عبدالخالق إنه ناقش قضية الإرهاب من خلال فيلم «الناجون من النار» عام 1994 وقام ببطولته عمرو عبدالجليل وطارق لطفى، ولم يعرض هذا الفيلم فى دور العرض السينمائى، ولكنه عرض فقط على الفضائيات دون أن أعرف السبب حتى يومنا هذا، وأكد أن إرهاب الماضى تغيّر عن إرهاب اليوم، وذلك لأن إرهاب اليوم تقوم بإدارته دول ومخابرات غربية، وهدفها الأول تدمير مصر وجيشها كما فعلوا فى ليبيا والعراق واليمن وسوريا، والهدف الرئيسى هو تفكيك الشرق الأوسط، ودور الفن فى الوقت الحالى قوى جداً ويتمثل فى غرس القيم الإيجابية والأخلاق النبيلة فى المجتمع التى تغيرت فى السنوات الأخيرة وتحولت لقيم سلبية ومنها الإرهاب، وساعد على انتشار تلك القيم تدهور الفن فى مصر فى السنوات الأخيرة، أما السينما فركزت على الأفلام الكوميدية والإفيهات المصطنعة ولا توجد قضية أو قيمة يقدمها أى فيلم، وركزت أيضاً الأفلام فى السنوات الأخيرة على شخصية البلطجى، وتاجر المخدرات، الذى يظهر بشكل بطولى طوال الأحداث، وفى النهاية يعاقَب، فيتعاطف معه الشباب، وللأسف اختفت القدوة لدى الشباب أيضاً، لذا أطالب بالتدخل السريع والاهتمام بالفن، خاصة بعد ما أسقطت وزارة الثقافة السينما من حساباتها، فيجب وضع ميزانيات لتقديم أفلام سينمائية هادفة ومهمة، مثلما تفعل وزارة الدفاع الأمريكية التى تخصص سنوياً 4 مليارات دولار لإنتاج أفلام سينمائية، واستطاعت أمريكا من خلالها أن تكسب حروباً دون دخولها من الأساس، فعندما يبرز الفيلم الأمريكى أن الجندى الأمريكى أقوى أجناد العالم ويستخدم أحدث المعدات العسكرية وقتها لا تستطيع أى دولة الوقوف أمام أمريكا وجيشها.
أما المخرج مجدى أحمد على، فقال إن السينما لم تنتبه بشكل كافٍ لقضية الإرهاب، ولذلك يجب التركيز عليها فى الفترة المقبلة. وأضاف أن المشهد من حوله استفزه جداً لذلك قرر تقديم ظاهرة الإرهاب من خلال فيلم سينمائى بعنوان «الدنيا أجمل من الجنة» وهى قصة لأحد أعضاء جماعة «الإخوان المسلمين» وسأسرد من خلال الفيلم تجربته بالكامل، وطالب «مجدى» كل مواطن بأن يقوم بعمله على أكمل وجه، لأن البلد فى مرحلة البناء وعلينا الوقوف بجانبه، والابتعاد عن المطالب الفئوية، خاصة أن هناك مؤامرة كبرى على البلد تسعى لتغييب عقول الشباب وتدعوهم للقيام بعمليات إرهابية تعيد الوطن للخلف مائة عام.
المؤلف لينين الرملى الذى قام بكتابة فيلم «الإرهابى» بطولة عادل إمام، و«شيرين» وإخراج نادر جلال، وقدم أيضاً العديد من المسرحيات المهمة التى ناقشت قضية الإرهاب بكل تفاصيلها، تساءل: كيف نستطيع أن نحارب الإرهاب وهناك 11 حزباً سلفياً فى نيتها الترشح لمجلس الشعب، ودستورنا لا ينص على ذلك؟ والحقيقة أننى لا أعرف «إحنا رايحين على فين»، فالإرهاب يبدأ من الفكر وجهل الناس، وللأسف نحن نعانى من أزمة التعليم منذ 60 عاماً مضت، وحتى الأزهر الذى كان منارة للدين والعلم، تغيرت أحواله الآن، وللأسف نحن نعانى من مؤامرة كبرى هدفها تدمير مصر وشبابها، والذى يقول غير ذلك إما أنه من «الخلايا النائمة»، أو متحالف مع تركيا أو قطر أو «حماس». وقال «لينين» إنه أول كاتب قدم عملاً عن قضية الإرهاب بشكلها الصحيح من خلال فيلم «الإرهابى»، وأكد أنه ناقش القضية أيضاً من خلال عدد كبير من أعماله المسرحية، ومن أبرزها مسرحية «أهلاً يا بكوات» بطولة حسين فهمى وعزت العلايلى، التى عرضت أكثر من مرة ابتداء من يناير 89 حتى عام 2007، وفى آخر أيام عرضها قاموا بتكريمى، وأحضروا لى تورتة كنوع من المفاجأة، ولكننى طالبت وقتها بمفاجأتى بإنتاج عمل مسرحى جديد، وبالفعل قدمت بعدها مسرحية «اخلعوا الأقنعة»، التى ناقشت أيضاً قضية الإرهاب، واختتم كلامه بأن الفن فى السنوات الأخيرة مر بوعكة كبيرة، وعليه أن ينهض ويعود من جديد ليحارب مشكلات المجتمع الحقيقية، وأهمها الإرهاب والمؤامرات التى تحيط الوطن داخلياً وخارجياً.
أما الكاتب والسيناريست بشير الديك فقال إن مصر تمر بحرب حقيقية كل يوم، وهناك حرب على الإعلام وحرب على الاقتصاد، وحرب على الأطفال، وعلى كل شىء فى البلد، ولا بد أن نتحد ونقف أمام هذا الطوفان. وعن دور الفن قال إن الفن لا يوظّف سواء لمكافحة الإرهاب أو غير ذلك، لأن الفنان فى النهاية يعبر عن وجهة نظره فى المجتمع، والفن الصحيح هو الذى يعبر عن مجتمعه وواقعه، دون أن يقدم ادعاءات أو شعارات. وأضاف «الديك» أن دور الفن أن يكشف عن عورات المجتمع ومن الممكن أن يطرح طرقاً للعلاج.
وأخيراً يتحدث المنتج محمد العدل قائلاً إن الفن والثقافة هما القوة الناعمة لأى وطن، ولذلك اهتمت الدولة بالفن بشكل كبير فى الخمسينات، وكان هناك مسرح الشارع وسينما القرية وكتب كثيرة ساعدت على تشكيل وعى الناس بشكل صحيح، ومع مرور الوقت تغيرت الأوضاع وانسحبت الدولة من دعم الفن ووقتها ظهرت الجماعات الإرهابية التى ملأت عقول الناس بكثير من الأخطاء والتعصب ضد أى شىء، والمشكلة هنا أصبحت مشكلة تفكير عقلى خاطئ، زرعتها الجماعات الإرهابية، لذا لا بد أن تعود الدولة بقوة وتقوم بدعم الأفلام والمسرحيات والأغنيات، وأن يعود المسرح المدرسى والمكتبة المدرسية، لأن الفن جزء من حياتنا وجزء من تكوين الإنسان، فالعامل البسيط يتغلب على إرهاقه فى عمله من خلال غنائه لأغنية بسيطة أثناء قيامه بعمله، ولكن الأعمال الفنية لا تكفى للتغلب على قضية الإرهاب فى مصر الآن، ففى البداية يجب أن نقاوم فكرة الإرهاب، علماً أن شركة «العدل جروب» تخطط لتقديم أعمال تناقش موضوع الإرهاب من كل زواياه.