أمام مشرحة مستشفى دمنهور العام، هز صراخ وعويل ونحيب أهالى ضحايا «أوتوبيس البحيرة» أركان المستشفى المتهالك. وعندما تفتح البوابات الحديدية للمشرحة فجأة تهدأ الأصوات. ويطلب عامل من أحد أفراد أسر شهداء الحادث من طلاب مدرسة «الأورمان» بالدخول، للتعرف على الجثة المتفحمة، دقائق تمر كالدهر، يلفها صمت ثقيل، لكن سرعان ما يرتفع الصراخ إلى عنان السماء يهز حواف الأشجار الصامتة. لقد تعرفت إحدى الأسر على جثمان ابنها، يحملونه فى يأس وخيبة أمل، لكنهم يشعرون أنهم أحسن حظاً من آخرين. ففى الجوار، عائلات أخرى تنتظر تحليل الحمض النووى DNA، «الأمل الأخير للتعرف على ضناهم الذى قتله الإهمال».
بجوار إحدى بوابات المشرحة، لم تترك والدة الطفلة منال زيد، إحدى ضحايا الأوتوبيس المنكوب مكانها، ظنت للحظة أنها تعرفت على ابنتها فخرجت تصرخ وتناجى ربها أن يلهمها الصبر، فقد رأت عند معاينة جثة جزء من سلسلة ابنتها الذهبية، بينما التهم الحريق الجسد الصغير. قطعة من السلسلة ظلت معلقة فى رقبة الجثة. لم تر ملامح وجه كى تتعرف منه على صاحبته، ولكنها اشتبهت فى جثة بنت كانت تحتضن زميلتها فاحترقتا معاً والتحمتا ببعض. لحظات وتحولت من أم مكلومة تعرفت على جثة ابنتها إلى إحدى المنتظرات لنتائج الحمض النووى، بعد تأكيد أحد الأطباء أن الجثة، التى ظنت أنها ابنتها، تعرضت لإصابة من قبل فى قدمها بها مسامير وشرائح، وهو ما نفته الأم، فتم سحب عينة منها، وعادت تنتظر دورها فى نتائج التحاليل، فربما أعطت سلسلتها لإحدى صديقاتها قبل وقوع الحادث.
لم تتوقف الأم عن المناجاة وسط صراخها وبكائها، الذى هز أوصال المكان «أنا راضية عنك يا بنتى، إزاى مرضاش عنك، وانتى كنت بسمة حياتى ونور عينى، لكن هعيش لمين بعدك»، وعندما طالبها أحد الأقارب بالصمت، حتى لا تعذب ابنتها، التى ترقد غير بعيد عنها، ردت «محدش حاسس بمصيبتى، ربنا وحده حاسس بحرقة قلبى عليها، أكتر من نار الحريق اللى محدش طفاه إلا بعد ساعة».[FirstQuote]
الأمر نفسه يتكرر بشكل مختلف مع أسرة الطفلة «مريم»، إحدى طالبات المدرسة، التى حاولت والدتها التعرف عليها ولم تفلح محاولاتها، لتفحم الجثث والملامح شبه الغائبة، استندت على جارتها «سوسن» بمجرد خروجها من المشرحة وبعد أن ظنت للحظة أنها رأت ابنتها، عادت مرة أخرى تنفى ما أكدته. وقفت تسأل جارتها: «مريم مش قصيرة كده بس البنت اللى شفتها فى نفس جسمها تقريباً». تفشل كل محاولات «سوسن» فى التماسك فتنهار هى الأخرى فى البكاء. تضع الأم ظهرها على حائط المشرحة صارخة «مش لاقية بنتى ولو لقيتها مش هعرفها». تظل الأسرة بأكملها جالسة فى انتظار التعرف على الجثة.
تقترب الساعة من السابعة مساءً، لم يعد فى المستشفى سوى من ينتظر نتائج الحمض النووى. يتراص الأهالى بجوار بعضهم ما بين بوابات المشرحة أو فى الحديقة المقابلة لها. ويصرخ أب مكلوم فجأة «أنا مستنى حتة لحمة مشوية آخدها وأدفنها فى أبوحمص بيقولوا أنها لابنى» ثم يعود فى الانهيار مرة أخرى، ويرفض الحديث مع أحد.
لم يقدر والد الشهيد مصطفى علام -15 سنة- على الانتظار داخل المستشفى، خصوصاً بعد انتشار أنباء أن نتائج التحليل قد تستغرق 48 ساعة. الرجل الذى انهار عدة مرات فى الحديقة المجاورة للمشرحة عاد إلى منزله، فيما ظل أحمد شقيق الشهيد، وأبناء أعمامه وسط بكاء مستمر. وكلما مر أمامهم مسئول من المستشفى، أو من مديرية الأمن سألوا بهدوء: «دم ابننا مين هيتحاسب عليه؟».[SecondImage]
مع دخول الليل، يغلق المستشفى الباب بجوار المشرحة، ويتحرك أفراد الأمن باتجاه سياراتهم، بعد أن عم الهدوء النسبى المكان لعجز الموجودين عن الصراخ من جديد - إلا قليلاً منهم، لكن سرعان ما يقطع هذا الهدوء «المزيف»، ممرض يخرج من المشرحة، يجر أمامه «تروللى» خالٍياً، إلا من آثار الدماء وقطع سوداء صغيرة فى منتصفها، يمر بين الأسر المكلومة فى صمت، متجهاً نحو الحديقة التى يجلس بها عدد آخر من أهالى الشهداء. وبحركة من يده يزيح القطع السوداء نحو الأرض، ثم يلف عائداً إلى الداخل. يقترب أحد الموجودين للتأكد مما ألقاه الممرض، قبل أن يصرخ «لحم ولادنا اتشوى ورموه ع الأرض». تتعالى الصيحات والصراخ والسباب فى كل مكان، يتجمع الموجودون حول القطع المتفحمة ويقول أحدهم «يا بلد أرخص ما فيكى ولادنا»، «الميت لحمه بيتدفن مش بيترمى»، فيما حاول بعض الشباب دفن «المحروقات». تتصاعد المشكلة مع ارتفاع صيحات الموجودين، يحضر بعض مسئولى المستشفى والأمن. يتم استدعاء أحد أطباء المشرحة لجمع قطع اللحم الصغيرة من الحديقة، وإدخالها مرة أخرى بجوار الجثث لدفنها.
فى التاسعة مساءً، أغلقت المشرحة أبوابها. يبدأ عامل النظافة العجوز غسل المكان من آثار الجثث المتفحمة. وفى ثلاجة المشرحة 12 جثة محترقة فى أكياس بلاستيكية سوداء. تحولت جميعها إلى مجرد أرقام لحين ظهور نتيجة التحليل، فيما كانت الحديقة الخضراء متشحة بالسواد وبكاء الأمهات.