من «البحيرة» إلى «العجمى»: 85 كيلومتراً على «طريق الموت»
قبل السادسة صباحاً يبدأ المشوار اليومى، أكثر من 80 كيلومتراً على طريق «دمنهور - الإسكندرية» الزراعى، هنا يبدأ طريق سلكه الطلاب بحثاً عن العلم فجاءهم الموت، لم يفاجئهم كما يظن البعض، فمن يتحرك على طريق سريع تجاوره عربات النقل الثقيل يومياً، غير محدد السرعة، مع غياب اللافتات الإرشادية حتما يواجه الموت فى كل يوم. «الوطن» رصدت رحلة طلبة مدرسة الأورمان الثانوية الفندقية لمتابعة أهم ملامح الطريق منذ الـ6 صباحاً وصولاً إلى المدرسة بمنطقة الكيلو 21 العجمى، مروراً بمكان الحادث وما تبقى من آثار الأوتوبيس المحترق وسيارة ضابط الشرطة واللورى حيث أصبحوا مزاراً عندما يقترب منه المارة يقللون سرعتهم ليشاهدوا بقايا الحديد المتفحم والترحم على الأموات الذين يمكن تخيل ما وصلوا إليه، فمن تسبب فى انصهار الحديد ووصوله إلى هذه الدرجة لن يُبقى اللحم على أجساد البشر.[FirstQuote]
من الدلنجات ودمنهور وبابيس، جاء طلبة أوتوبيس رحلات الإسكندرية رقم 12667، وهو الرقم الذى تحمله قطعة المعدن التى تبقت من اللوحة المعدنية للأوتوبيس، يسلك السائق طريق «البحيرة - الإسكندرية» من خلال طريق بطىء مجاور للطريق الزراعى الرئيسى فى البداية، به عربات نقل وملاكى ولورى تسير فى الاتجاهين دون فاصل بينهما، ما يقرب من 2 كيلومتر وصولاً إلى الطريق الرئيسى السريع، يبدأ بوجود وحدة مطافئ البحيرة وبداخلها ما يقرب من 3 سيارات إطفاء كبيرة، وجودها يُشعر المارة بالأمان، خاصة أن بجوارها مبنى بالكامل للحماية المدنية، يبدأ الأوتوبيس وجهته على الطريق السريع حيث تغيب منه لافتات تشير إلى السرعة المقررة أو وجود رادار، وفقاً لتصريحات محافظ البحيرة، ويبدو أن الطريق بالفعل ممهد وجديد لا يشوبه شىء، لكن فى نفس الوقت تزداد فيه السرعة لعدم وجود مطبات أو لافتات لتهدئة السرعة، فيتسارع الجميع من سيارات ملاكى ونقل ولورى وأوتوبيسات، يتصارعون على 4 حارات تتيح فرصة المرور من كل جهة، مع عدم التزام النقل واللورى بالسير فى اتجاه اليمين وفقاً لقواعد المرور المعروفة.
أكثر من 50 كيلومتراً تفصل مكان الحادث ومحطة إطفاء البحيرة، قبل عدة أمتار من الدوران الذى تسبب فى حدوث كارثة أمس الأول، تهدئ السيارات سرعتها ليس فقط لمشاهدة ما تبقى من آثار احتراق الأوتوبيس والسيارة واللورى، لكن أيضاً لأن هناك محطة انتظار خاصة بركاب النقل فى نفس المكان اعتادوا الحصول على استراحتهم هناك ما بين السادسة والنصف والسابعة صباحاً، بعد سفرهم طوال الليل، بجوار استراحة «الشيخ محمد» يتراص عدد من عربات النقل «صف أول وثان» ليضيق الطريق قبل الملف بأمتار، ويسمح بمرور سيارتين على الأكثر، وبمجرد عودة العربات المارة إلى سرعتها الطبيعية تظهر لافتة تشير إلى إمكانية الدوران للاتجاه الآخر ليضطر من لم يلحظ العلامة أن يذهب للاتجاه الآخر على سرعة نسبية. «الوطن» رصدت وجود بقايا حادث سابق على الطريق المجاور للملف الذى تسبب فى الحادث الأخير، حيث وجدت أكياس سوداء محاطة ببعض الأتربة ملقاة على جانب الرصيف الذى يفصل اتجاهى الدوران، بها أكياس «زبدة بيضاء» اختلطت بالأسفلت تسببت فى انزلاق بعض السيارات أثناء الدوران، الأمر الذى لم يلتفت إليه أحد قبل وبعد وقوع الحادث، وبسؤال إبراهيم محمد حسن، أحد سائقى اللورى عن أسباب وجود أكياس الزبد، قال: «قبل الحادث بيوم واحد سمعت أن فى عربية سمن وقع منها البضاعة وهى بتلف الطريق، الأهالى عملوا اللى عليهم وأزاحوا شنط السمن ناحية رصيف الملف، لكنها سابت أثر يزحلق السيارات المارة، خصوصاً بعد نزول المطر عليها فزاد من صعوبة الأمر وأكيد هو سبب من أسباب حادثة أوتوبيس الطلبة».[SecondImage]
وبجوار مكان الحادث وجدت عربة إغاثة تابعة لوزارة الداخلية حضرت لليوم الثانى على التوالى لتصوير المكان وآثار السيارات المحترقة لاستخدامها فى القضية، وهناك اختلط الحديد المنصهر ببعض كراسات وكتب الطلبة، ولم يتبق سوى رائحة شواء ما زالت واضحة، وكتب تطايرت بجوار الأوتوبيس فاحترقت أجزاء منها فقط، وبقايا ملابس فى عربة الضابط المحترقة بالكامل، وخفراء جلسوا لحراسة المكان لحين انتهاء أعمال المعاينة والفحص.
35 كيلومتراً تفصل بين الحادث ومكان مدرسة الأورمان الثانوية الفندقية. الرحلة شاقة والسفر يستغرق نحو ساعة ونصف الساعة فى ذلك التوقيت الباكر، لا يوجد فى تلك المسافة سوى كمين واحد، ولافتات إرشادات ممزقة. الطريق سريع وبه كبارى علوية كثيراً ما تستخدمها سيارات اللورى خاصة فى تلك الساعة من الصباح الباكر، وفتحات جانبية تمر بها جرارات تقطع الطريق فى منتصفه دون أدنى مسئولية. ما يقرب من 85 كيلومتراً من السفر اليومى كان يقطعه الطلبة ضحايا حادث البحيرة وصولاً إلى مدرستهم، التى تجمع أمامها عدد من الطلبة لتأبين زملائهم، وأداء صلاة الغائب عليهم. وقفوا وهم يروون مأساة السفر التى يتكبدونها يومياً فى أوتوبيسات هالكة وسائقين يسابقون الزمن للوصول قبل موعد الحصة الأولى، على طرق لا تتوافر فيها أدنى مقومات الأمان والسلامة.