لم تكن الكتابة يوماً حرفتى ولكنها الهواية التى أحببتها أكثر من أى شىء مر فى سنوات عمرى القصير، أحببت تفاصيلها.. الأقلام التى تخلق كلمات من العدم.. الأوراق البيضاء التى تنصت بشغف إلى كل ما نسطره إليها من حكايات بحلوها ومرها.
تتزامن عودتى للكتابة مع عودتى للحياة على أرض الوطن بعد تسع سنوات قضيتها مهاجرة فى إيطاليا برفقة أسرتى. هناك، تخرجت فى الجامعة وبدأت حياتى العملية. لكن ورغم كل الوهج الذى يزين الحياة فى الخارج كان شىءٌ ما يغرينى بالعودة إلى هنا.. إلى هذه الأرض الطيبة إلى مصر.
ودعنى أصدقائى فى إيطاليا وهم يتمنّون لى السعادة فى بلدى، واستقبلنى أصدقاء بلدى وهم يتهموننى بالجنون! بعد مرور وقت قصير على عودتى أدركت أن المسألة لا تخص فقط أصدقائى هنا وحدهم بل هو شعور يشترك فيه أغلبية الشعب المصرى حالياً.. لا أحد يريد البقاء هنا.. لا أحد يرى المستقبل هنا!
لا أنكر أن الصورة الحالمة التى تكونت فى ذهنى عن مصر فى طفولتى وفى هجرتى قد تبدد الكثير منها فى غمرة الواقع الحالى. لكن القليل الباقى منها لا يزال قادراً على الحلم بعالم أفضل، وكيف لا ومجيئنا إلى الدنيا.. حضورنا بكل تجلياته لا بد أن يفضى بنا إلى الانتساب لمكان ما نمسك بتلابيبه كطفل صغير يتعلق بثوب أمه ليختبئ فيه من الدنيا والناس! مهما بدت هذه الأم أقسى الناس.
مصر تظلمنا حيناً ونظلمها نحن أحياناً أخرى.. وندرك -كما تدرك هى- أن تحقيق أحلامنا بها صعبة لكنها أبداً ليست مستحيلة! حين يكتمل المدى ستعود مصر جميلة كما كانت وأكثر وسنعود إلى رحابها ونحن أكثر طهراً.
تبددت الصورة الحالمة عن مصر لكنى الآن أفضل وجهها من غير سكر على نسق التعبير الرائع لنزار قبانى فى قصيدته البديعة «أُحبّك.. أُحبّك.. والبقية تأتى»!