«عم سعيد» بيشوف بعين «محمد» و«محمد» بيسمع بودن «عم سعيد»
القدر جمعهما معاً، فاختارا أن يكملا حياتهما معاً، كل منهما يفتقد شيئاً وجده عند الآخر، فقررا أن يعيشا وكأنهما شخص واحد، هذا هو حال «عم سعيد» الرجل الخمسينى، و«محمد عبده»، الشاب الذى لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، الأول لم ينجب من زيجته الوحيدة التى لم يتزوج بعدها، والثانى ولد وعاش يتيماً، الأول فقد النظر بعينه اليسرى تماماً ولم يتبق له سوى بصيص من نور عينه اليمنى، والثانى لا يسمع جيداً، ولا يتحدث إلا بصعوبة بالغة، فلا عجب أن يصبح «عم سعيد» هو صوت «محمد»، وتكون عينا «محمد» هما بصيرة «عم سعيد».
فى غرفة صغيرة فى «أبوالنمرس»، يسكن الاثنان، وأسفل كوبرى الجيزة، يعملان فى مهنة واحدة وهى مسح الأحذية، يسند الرجل الخمسينى، على يد «محمد»، الذى لا تفارقه الابتسامة طوال الطريق، وأحياناً أخرى تخرج منه كلمة بصعوبة بالغة، لا يفهمها سوى عم «سعيد»، وعند وصولهما أسفل كوبرى الجيزة، يجلسان بجانب بعضهما، يضع كل منهما أمامه صندوقاً خشبياً، فى انتظار زبون يفتتح اليوم. «أنا بعتبر محمد ابنى اللى مخلفتوش، هو أبوه متوفى، ووالدته متجوزة، وأنا معنديش عيال، هو ونسى فى الحياة، علمته الصبر، وهو علمنى الرضا، علمته مايشربش سجاير، ولا يصاحب حد مش كويس، وهو علمنى أحب كل الناس، علمته الصنعة والشغلانة، وهو علمنى الاجتهاد فى الشغل»، قالها «عم سعيد» مؤكداً أنه يتمنى أن يأتى اليوم الذى يتزوج فيه «محمد» حتى يفرح به.
يخاف عم «سعيد» على «محمد» من الزمن، من أصدقاء السوء، من تقلبات الحياة، يسرح مع نفسه كثيراً، ويسألها: هل الحياة التى جمعتهما معاً، من الممكن أن تفرقهما فى أحد الأيام؟
تأتى الساعة الحادية عشرة صباحاً، ليبدأ ميعاد إفطارهما معاً، طبق الفول كعادتهما: «إحنا بنفطر فول، وفى الغدا بنغير، بنحط بقى طماطم على الفول، وفى العشا فول برضه، هو أحلى من الفول»، يبتسم «عم سعيد»، ليؤكد أنه راضٍ عن حياته تماماً، رغم كثرة مشاكله. ويتحدث عم «سعيد» مع «محمد» دائماً عن الرضا: «بنصحه دايماً وبنصح كل الشباب، وبقوله، إوعى تيأس، ولا تمل من الحياة، هتوصل للى إنت عايزه يعنى هتوصل، أيوه الحياة قاسية علينا، لكن كله يهون بعد اللقمة الحلال».