كانوا يتخاطفونه قبل أن يستقر على الأرفف، يقضون ساعات طويلة بين صفحاته، ويحولون دون أن يعلو الغبار أغلفته، لكن بعد سنوات تبدل المشهد فصارت الكتب وحيدة، بعض كلماتها رحل عنها حبر القلم، وأطرافها طالها الاصفرار.
على باب أحد المكتبات الشهيرة بقلب ميدان طلعت حرب، يقف بائعها يبحث بعينيه عن زبائن هنا وهناك، "مكنتش بلاقي وقت أقعد من كتر الزباين دلوقتي الحال نايم"، هكذا قال محمد واصفًا حاله الذي تبدل.
سنوات طويلة قضاها البائع الأربعيني وسط الكتب بحكم عمله، شهد خلالها على عصر أقبل المصريون فيه على القراءة، يقول، "زمان الناس كانت بتدخل المكتبة وتطلب أرشح لها كتاب حلو تقراه، وكانوا بيقروا في كل حاجة دلوقتي العدد قل واللي بييجي بيكون عايز حاجة معينة مبيدورش كتير".
الاختلاف لا يقتصر على كم القراء، بل يتجاوزه إلى نوعية ما يقرأون أيضًا، وفقا لمحمد، فمن عصر الاشتراكية إلى الرأسمالية مرورًا بالانفتاح، ومن النكسة إلى حرب أكتوبر مرورًا بحرب الاستنزاف، عايش المصريون تغييرات اجتماعية وسياسية واقتصادية أثرت على نوعية الكتب التي يقرأونها.
"مذكرات القادة العسكريين زي سعد الدين الشاذلي ومحمد فوزي، كانت أكتر حاجة الناس بتقراها زمان"، يروي محمد عن اهتمامات المصريين قبل نحو 3 عقود موضحًا، أنه بعد مذكرات القادة، بزغ الاهتمام بتاريخ مصر الحديث، خاصة حقبة الملك فاروق، وثورة 23 يوليو، إضافة إلى اهتمام جمهور القراء بجميع فروع العلم.
أما عقب ثورتين، خلعت إحداهما رئيسًا وعزلت الآخر، زاد الاهتمام بالرواية حسب ما ذكر رزق، البائع في إحدى المكتبات الأخرى بمنطقة وسط البلد، خاصة الروايات الحائزة على جائزة "البوكر"، وروايات الـ"بيست سيلر"، على أن السياسة لم تنحسر كثيرًا، فقط تبدلت الموضوعات التي تثير اهتمام القراء، "البحث في تاريخ المذاهب والفرق الإسلامية وتاريخ نشأتها من أكتر الحاجات اللي الناس بتقرا فيها دلوقتي"، يقول رزق مستشهدًا بالإقبال الكبير على اقتناء كتابي "العلاقة السرية بين بريطانيا وجماعات الإسلام السياسي" للكاتب مارك كورتيس، وكتاب "لعبة الشيطان" لروبرت دريفوس.
الكتب التي تواجه الإلحاد مثل كتابي الدكتور مصطفى محمود، "من الشك إلى اليقين" و"طريق الإلحاد" وكتب الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي، راجت مبيعاتها أيضًا، فتفسير الإسلاميين للدين وسلوكياتهم عقب ظهورهم على الساحة بعد ثورة 25 يناير، أثارا شكوكًا لدى الشباب بشأن عقيدتهم، حسب ما ذكر البائع، الأمر الذي دفعهم إلى محاولات التيقن من صحة ما تربوا عليه.