مغامرة صحفية لـ«الوطن» داخل محطة مصر.. انتظروا قنابل جديدة
حقيبة صغيرة وُضعت داخل قطار منوف انفجرت وقتلت شخصين وأصابت اثنا عشر شخصاً، حقيبة شبيهة لها تجولت بها «الوطن» داخل محطة مصر، وداخل القطارات المتجهة إلى منوف، حيث موقع الانفجار، وضعناها وتركناها فى أكثر من مكان، غير أن أحداً لم يلتفت إليها، سواء من أفراد الشرطة، أو حتى من المسافرين العاديين، ورغم ما يتردد عن وجود رقابة صارمة على الحقائب الداخلة إلى محطة مصر، فإن البوابات الإلكترونية كانت معطلة، بالإضافة إلى أفراد الشرطة أنفسهم الذين لم يتحركوا للبحث عن الحقيبة التى تركناها متعمّدين، دون أن تسترعى انتباه أحد.
اعتقدنا فى البداية أننا سنواجه تفتيشاً دقيقاً عند دخولنا محطة مصر، الوقت ظهراً، تحديداً تشير عقارب ساعة المحطة الكبيرة إلى الواحدة والنصف ظهراً، الزحام على أشده داخل المحطة، قوات الشرطة تنتشر بكثافة على المداخل، إلى جوارهم تنتصب البوابات الإلكترونية، مصحوبة بسير جلدى، من المفترض أن يحمل الحقائب إلى جهاز التفتيش الإلكترونى الكاشف عن الأسلحة والمتفجرات، غير أنه لا البوابة ولا سير الحقائب كانا يعملان، مئات الركاب يدخلون بسهولة ويسر إلى داخل المحطة، حاملين حقائب مختلفة الأحجام والأشكال دون أن يستوقفهم أحد، الفرصة مناسبة لنا لأن ننفذ من وسطهم إلى الداخل، بيدنا حقيبتان سوداوان مختلفتا الشكل والحجم، بدورهما لا يلفتان الانتباه، كما أنهما لن يتعرضا للتفتيش، رغم أنهما فى الأساس كانتا خاليتين.
بسهولة ويسر كما يفعل الجميع عبرنا البوابات دون تفتيش، لم يطلب منا أحد أن نضع الحقائب على السير المعطل، ولم يطلب منا أحد أن نفتح الحقائب للتفتيش، مئات غيرنا يدخلون دون أن يطلب منهم أحد شيئاً، فى محاولة لتأكيد ضعف رقابة رجال الشرطة الموجودين على مدخل المحطة، كررنا الخروج والدخول عدة مرات، وتكرر موقف رجال الشرطة بالتفاصيل نفسها، لا فائدة من المحاولة، ليس أمامنا إلا دخول المحطة والانتظار فيها.
من أمام أحد أفراد الشرطة عبرنا بالحقائب، توقفنا قليلاً لنسأله عن رصيف المنوفية، من هناك سينطلق قطار «منوف» بعد حوالى ساعة من الآن، بالتحديد فى الثانية والنصف مساءً، لم يبخل رجل الشرطة بالمعلومة، تحدث إلينا، مشيراً إلى رصيف منوف دون أن يسألنا، ولو بشكل عابر عن الحقائب التى نحملها فى أيدينا.
على رصيف «منوف» كانت عشرات الحقائب تتراص على المقاعد الحجرية الموجودة على الرصيف، حقائب تركها أصحابها وذهبوا لقضاء بعض حوائجهم على ما يبدو، لم يهتم أحد بما يوجد داخل الحقائب، وما إذا كان أصحابها تركوها متعمدين أو بشكل عفوى، حاولنا التجربة، حملنا الحقائب وتوجهنا بها إلى أحد المكاتب الإدارية، هناك سألنا عن موعد قيام قطار منوف، تلقينا رداً قبل أن نتحرك من المكتب، تاركين بداخله الحقائب، ثوانٍ قليلة نادى علينا أحد الموظفين من الداخل «يا أستاذ، أنت نسيت شنطتك»، عدنا مرة أخرى لحمل الحقيبتين، وواصلنا رحلتنا.
وعلى باب القطار من الداخل
فى تمام الثانية ظهراً كنا على رصيف المنوفية، كان القطار متوقفاً على الرصيف يستعد للانطلاق بعد نصف ساعة كاملة، مئات الركاب يتدفّقون على القطار المزدحم، الزحام الشديد داخل القطار لا يتيح الفرصة لمزيد من الركاب للدخول، بعضهم جلس على الرصيف فى انتظار اللحظات الأخيرة قبل تحرك القطار، لركوبه أملاً فى موضع قدم على الباب، حيث الهواء وأمامهم حقائبهم التى سيحملونها، سألنا أحد الركاب «هو القطر ده هياخد وقت قد إيه عشان يوصل منوف»، رد باقتضاب «ساعتين».
على الرصيف كانت سيدة ريفية تلتقط أنفاسها بصعوبة، على رأسها استقر إناء كبير راح يتأرجح يميناً ويساراً، بدا أنه ثقيل من حركتها الثقيلة، الجميع يُفسحون لها الطريق دون أن يسألوها أو يسألوا أنفسهم عن محتوى الإناء، تصل السيدة إلى أحد أبواب القطار، وفى الداخل تضع إناءها وتتوقف قليلاً حتى تلتقط أنفاسها.
القطار بسيط للغاية، «قشاش» كما يطلقون عليه، يتنقل بين قرى ومراكز المنوفية، اللون الأصفر يهيمن على هيكله الخارجى، فيما ينتشر الصدأ فى الداخل، فلا يترك الفرصة لأى لون أن يفرض سطوته، النوافذ بلا زجاج، والأرفف المخصصة للحقائب مملوءة بأناس نائمين لم يجدوا مكاناً يسعهم غير أرفف الحقائب، يأتى شخص من الخلف ويطلب أن نفسح له الطريق، لكى يصعد إلى الرف وبيده بعض ورق الكارتون، بسرعة يتسلق الرجل المقاعد ليصبح فى ثوانٍ فوق أحد الأرفف، يمد يده ليفرد ورق الكارتون قبل أن ينام عليه، إلى جواره مد رجل آخر يده ليضع عدداً من الحقائب، بدا أنها لا تلفت انتباه أحد.[FirstQuote]
عقارب الساعة لا تتوقف عن الحركة، والزحام يشتد داخل القطار، لم يعد هناك موضع لقدم، الساعة تقترب من الثانية والنصف، الجو شديد الحرارة، والكثير من المشادات الكلامية تنشأ بين الركاب نتيجة الزحام، والكثير من المعاكسات اللفظية والجسدية تنتشر، الجميع يبدو عليهم توتر واضح، وترقب للحظة التى يعلن فيها القطار انطلاقه.
بالفعل تأتى اللحظة، يطلق القطار صافرته، يبدأ فى التحرك ببطء شديد، عشرات الركاب يسرعون ليلحقوا به فى اللحظات الأخيرة، حقائبهم فى أياديهم، يلقون بها من الباب أولاً، ثم يلقون بأجسادهم، لا أحد يفكر فى ماذا سيحدث لو ألقى أحدهم بالحقيبة ولم يتمكن من اللحاق بها، لن يدفع بها أحد إليه، وغالباً سيتركونها إلى جوار شقيقاتها من الحقائب الكثيرة.
لم نكمل رحلتنا مع قطار منوف، تركناه فى اللحظة التى غادر فيها المحطة، مرة أخرى عدنا إلى الرصيف، تركنا حقائبنا على أحد المقاعد وابتعدنا، لم يلتفت إلينا أحد، ولم يحاول أن يفتح الحقائب للتفتيش فيها، وجدنا قطاراً آخر متجهاً إلى منوف على الرصيف المقابل، لم يحن وقت إقلاعه بعد، والمحدد له الثالثة والنصف عصراً، تجولنا داخل القطار، فوجدناه متهالكاً كسابقه، النوافذ ذات زجاج مكسور، والكثير من قطع الزجاج متناثرة على الأرض، المصابيح غير موجودة أو مكسورة والصدأ أيضاً يأكل فى القطار.
جولة أخيرة خارج القطار ألقينا فيها حقيبتنا تحت عجلات أحد القطارات، نصف ساعة كاملة والحقيبة تستقر فى موقعها دون أن تلفت انتباه أى أحد، ودون أن تتحرك الشرطة لتبحث عن صاحبها، رغم أنها كانت واضحة للعيان.
إلى دورة مياه المحطة انتقلنا بالحقائب، تركناها بالداخل وخرجنا، تكرر نفس التجاهل للحقائب، حتى عدنا إليها مرة أخرى وحملناها للخارج. وفى كافيتريا المحطة تكرر الشىء نفسه، لاحظنا سيدة تأكل وجبة غذاء، وبعد انتهائها نادت على عامل الكافيتريا طالبة منه أن يحتفظ بحقيبتها، كانت الحقيبة كبيرة نوعاً ما، نادى العامل المسئول فأخذ منها الشنطة، وذهبت السيدة وزوجها، عند مغادرتنا تعمّدنا أن نتناسى حقائبنا داخل الكافيتريا، لم يلتفت أحد إليها، تركناها، وعند عودتنا مرة أخرى وجدنا العمال قد احتفظوا بها.[SecondQuote]
فى طريق العودة كان المئات لا يزالون يدخلون المحطة من بوابتها الكبيرة، يمرون على البوابة الإلكترونية المعطلة، وسير الحقائب المتوقف، حاملين حقائبهم فوق ظهورهم، فيما أفراد الشرطة يتراصون على الجانبين دون أن يطلبوا من أحدهم فتح حقيبته لتفتيشها.