م الآخر| "أردوغان" يعظ

كتب: شهاب رفعت

م الآخر| "أردوغان" يعظ

م الآخر| "أردوغان" يعظ

"كم هو مضحك تناسي بعض الحكام لتاريخ دولهم الدموي الأسود، فهم يرتدون في لمح البصر رداء الديمقراطية و الحرية ليجدوا في آذان الجماهير من يصدّق على كلامهم ويصدق أكاذيبهم"، و"كم هو مؤسف أن تجد من يصفق لأكذوبة لعينة تنطلق من حاكمًا مصابًا بجنون العظمة والشيزوفرينيا في نفس الوقت". كم من دولًا استعمارية كبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرهم تبرأوا من ماضيهم الوحشي ويحاولون مرارًا وتكرارًا أن يمحوا من ذاكرة شعوبهم الفترات السابقة من تاريخهم الإمبريالي الاحتلالي، ولكن ثمة من لا يزال يبكي على أطلال توسعيته ويندم على ما فاته من فتوحات واحتلالات متجاهلًا كل القيم الحضارية مفتخرًا بتاريخ امبراطوريته الأكثر دموية ووحشية على الإطلاق. هذا الأردوغان الذي يلعب دور الخليفة العثماني بنكهة ليبرالية إدعى كذبًا وإفتراء أن له حق التدخل في شؤون مصر بحجة أنه حفيد العثمانيين، وتناسى ما فعله إبراهيم باشا قائد الجيوش المصرية إبان حملاته على الشام وتركيا والتهديد بالزحف على الأستانة حتى فزع السلطان محمود الثاني من الانتصارات التي حققها إبراهيم باشا على الجيوش العثمانية. ورغم القيادة الألمانية للجيوش العثمانية، متمثلة في وجود أشهر قائد ألماني في القرن التاسع عشر فون مولتكه على رأس الجيش العثماني ومعه نحو ألف من الجنود الألمان، إلا أنهم فشلوا في صد الجيش المصري، وهذا الرعب الذي دفعه للتوسل لروسيا كي تدفع عنه الزحف المصري، ما أدى فيما بعد إلى ما يعرف تاريخيًا باتفاقية كوتاهية. ولنعود قليلًا إلى الوراء ونعيد النظر في كلمة "حفيد العثمانيين" التي تنم عن جهلًا فادحًا بتاريخ أجداده المخذي، حيث أن جميع السلاطين العثمانيين، باستثناء مؤسـس الدولة العثمانية عثمان غازي، تزوجوا بغير التركيات. الأتراك الذين يفخرون بتاريخهم العثماني التركي القومي العريق والأصيل، يجب أن يعرفوا أن الدم التركي لم يكن موجودًا في عروق السلاطين العثمانيين، حيث أن 35 من هؤلاء تزوجوا النساء المغوليات والروميات والبلغاريات والصربيات واليهوديات وغيرهم من غير العثمانيات. فإنه إذا أخذنا في الاعتبار هذا الاختلاط بين السلاطين العثمانيين والنساء غير التركيات، يتبين لنا أن ما بقى من دم تركي في عروق آخر سلطان، وهو وحيد الدين، لا ولن يتجاوز ستة بالألف من دمائه، فضلًا عن قتال سلاطين العثمانيين لعائلتهم وورثة عروشهم من أخوة وأبناء، فامتلأ تاريخهم بالكثير من الجرائم العائلية. أشار العديد من المثقفين الأتراك إلى الكتاب الذي نشره الكاتب والصحفي الشهير، شاتين ألطان، تحت عنوان "خفايا التاريخ"، والذي تطرق من خلاله إلى تاريخ السلاطين العثمانيين منذ عام 1270 ميلاديًا، حين بدأ الحكّام العثمانيون بقتل أقرب المقربين إليهم من أجل السلطة. وبدأ ألطان كتابه بالحديث عن الخلاف الذي نشب بعد وفاة أرطوغرول بين ابنه عثمان وعمه دوندار، وانتهى بقتل عثمان لعمه واستيلائه على الحكم، ليقيم بعد ذلك الدولة العثمانية عام 1299، ويبدأ معه تاريخ القتل العائلي داخل الأسرة العثمانية الحاكمة. وخلف أورهان والده عثمان الذي توفي عام 1324، من دون أن يقتل أيًا من أشقائه أو أقربائه، لكن نجله مراد الأول قتل شقيقيه إبراهيم وخليل (وهما من أُمَين آخريين)، ثم كوى بتحريض من زوجته الأولى، عيني ولده ساوجي بالنار، وأعدمه حتى لا ينافس أولاده الآخرين على السلطة. وتُبين المعلومات أن السلاطين العشرة الذين حكموا الدولة العثمانية ما بين عامي 1299 و1566 ميلادي، قتلوا جميعًا أولادهم أو أشقاءهم أو أبناءهم من دون أي رحمة من أجل السلطة، واستمرت هذه العادة في العائلة العثمانية حتى انتهاء الحكم العثماني عام 1922، فارتكب جميع السلاطين، وعددهم 36 باستثناء 9 جرائم عائلية. الحقيقة المؤرخة تقول إن عدد الأمراء العثمانيين الذين قُتلوا على أيدي آبائهم وأشقائهم وأبنائهم وصل إلى 121 مقابل 44 رئيسًا للوزراء الذين أعدمهم السلاطين العثمانيون. وبخلاف الجرائم العائلية، التاريخ العثماني مكتظ بالدماء والمذابح والأمثلة لا حصر لها كتلك التي قام بتنفيذها في أواخر القرن التاسع، سليم الأول العثماني الذي أدرك بسبب الفوارق المذهبية ما في نفوس الشعب من كراهية، فرأ أقرب ما يوصله إلى غايته في الشرق من تظاهر بالغيرة على المذهب السني، فأغرى بعض حلفائه من قضاة الرشوة وعلماء السوء لإصدار فتوى بهدر دماء الشيعة (العلويين)، وصدرت الفتاوى بإمضاء الشيخ نوح الحنفي التي كانت سببًا رئيسيًا في مقتل الآلاف منهم، وكانت موقعة مرج دابق التي انتهت بهزيمة المماليك وانتصار العثمانيين وإمعان السلطان سليم في نفوس العلويين ودورهم قتلًا وتخريبًا، فانصب عليهم انصباب السيل وفتك بهم فتكًا ذريعًا، ولم تهدأ نفسه الثائرة وتستقر أعصابه المتوترة حتى سالت دماء الآلاف منهم. وإضافة إلى ذلك، هناك قصة أهالي المدينة المنورة المروعة مع جريمة "سفر برلك" في التهجير الجماعي والقسري، التي طبقتها الدولة العثمانية في حق الآلاف من الرجال والنساء والأطفال سنة 1915 ميلاديًا، لتخلف خلال خمسة أعوام مدينة منكوبة يسكنها 2000 من العسكر الأتراك وبضعة عشرات من النساء والأطفال ممن حالفهم الحظ ونجوا من ذلك الترحيل الجماعي. وطبعًا إذا ذكر العثمانيون ذكرت مذابح الأرمن حيث القتل المتعمد والمنهجي للسكان الأرمن من قبل الإمبراطورية العثمانية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى وتم تنفيذ ذلك من خلال المجازر الدامية والترحيل القسري، ويقدّر الباحثين أن أعداد الضحايا عددهم مليون نسمة. عزيزي أردوغان، ما سبق كان دراسة تجميعية عابرة للقليل جدًا من تاريخ أجدادك العثمانيون الدموي الوحشي الذي تتفاخر به، فأترك مصر وشأنها لأنها أعظم من أن يذكرها حفيدًا أهوج لسلاطين دمويين، يدعي التمسك بدينه وشريعته تارة ويبيح زواج المثليين في بلاده تارة أخرى، ويسجل في عهده أكبر عمليات التبادل التجاري مع إسرائيل، فلتستقيم وتستكين ليرحمك الله وشعب مصر.