بخطى ثابتة تشق طريقها عبر طرقات افترشها مرضى ومتعبون، تحمل أوراقًا يحسبها بعضهم أوراقًا مدرسية ولكن ما تلبث أن تقف أمام أحد شبابيك المستشفى أو تخاطب أحد الأطباء تشرح له حالة مريض يقف في انتظار دوره، وصوتها يحمل نبرة الثقة، لا تخشى رفضًا أو مقاطعة أو سؤالًا "إنتي في سنة كام يا شاطرة؟".
"هند" يعرفها الجميع بهذا الاسم، يبدأ موعدها في المستشفى عقب خروجها من المدرسة، تأخذ مكان أمها لتريحها قليلًا من عبء العمل وصعود السلالم وهبوطها "أمي بتشتغل في المستشفى من زمان ومسؤولة عن توريد تذاكر الحالات من العيادة الخارجية للوحدات المختلفة وأنا آخر اليوم باجي أخد مكانها شوية"، تتعامل هند الصغيرة ذات الثماني سنوات بثقة كاملة، تعرف ألا أحدًا سيوقفها أو يمنعها من ممارسة مهام والدتها، لا تطلب منحة من أحد ساعدته ليحجز موعدًا لجراحة، ولا تلتفت لتلك الجنيهات القليلة التي يمنحها لها البعض مع ابتسامة ممتنة، فترد النقود مع ابتسامة أخرى "لا شكر على واجب" .
حلم بسيط تحلمه هند ووالدتها، لا يزال أمامها الكثير من العمر لتحقيقه "نفسي أبقى دكتورة وأشتغل في المستشفى هنا وأعالج الفقراء والغلابة اللي أنا منهم"، "الدكتورة هند" اللقب الذي حصلت عليه الفتاة الصغيرة في مستشفى الحسين لا تعلم إن كانت ستستطيع أن تحافظ عليه حتى تخرجها في كلية الطب أم سيكون أقصى أمانيها هو الحصول على شهادة تمريض "ربنا هو اللي عالم بالغيب بس أنا بذاكر وبجيب درجات كويسة وإن شاء الله هفضل دكتورة".