حكايات الموت: «التروسيكل» و«النصف نقل» تهدد حياة التلاميذ بالمنوفية
مع دقة الساعة السادسة صباحاً.. تسرع والدة سومية عبدالمجيد، لإيقاظ ابنتها التلميذة بالمرحلة الابتدائية، لتبدأ رحلتها اليومية الشاقة للذهاب إلى مدرستها التى تبعد 7 كيلومترات عن منزلهم الموجود بعزبة أبوالنراش بمركز أشمون فى محافظة المنوفية. تخرج الطفلة من المنزل كباقى زملائها ليركبوا وسيلة نقل من اثنتين، إما «تروسيكل» يحمل 20 تلميذاً مرة واحدة، أو سيارة «نصف نقل» تقل أكثر من 50 طفلاً. وما إن تخرج من منزلهم، حتى تبدأ حالة القلق اليومية لدى الأم، التى تظل تدعو أن تعود لها ابنتها سالمة، وأن تنجو من مخاطر الطريق وحوادث السير.[SecondImage]
فى أغلب الأوقات، تختار «سومية»، ركوب السيارة النصف نقل، فهى تعتبرها أكثر أماناً من الحل الثانى. تقول الطفلة: «بخاف من ركوب التروسيكل، بيسوقوا بسرعة، وإحنا واقفين وممكن نقع، وأفضل ركوب السيارة النصف نقل على الرغم من تكدس عشرات الطلاب». وتابعت الطفلة: «ياريت بس يوفروا لنا ميكروباص يوصلنا إلى المدرسة، زى زميلاتى اللى من القرى التانية اللى جنبنا».
3 آلاف تلميذ، على الأقل، يخوضون نفس معاناة «سومية»، ويواجهون الموت يومياً، وهم فى طريقهم من قراهم إلى مدارسهم: طه حسين الابتدائية، ومدرسة التعليم الأساسى، ومدرسة الحسين بن على بمركز ومدينة أشمون، فالخوف ليس فقط من وقوع حوادث تصادم، لكن الرعب الأكبر من سقوطهم من السيارات و«التروسيكلات» المكشوفة، خصوصاً أنهم يتكدسون بأعداد كبيرة داخلها.
يقول أهالى القرية: كثيراً ما يسقط الأطفال من التروسيكلات، بسبب السرعة الزائدة التى يتحرك بها السائقون على الطريق الترابى غير الممهد، وبسبب الزحام الشديد، يسهل نقل الأمراض المعدية بين أولادنا، كما تنشب مشاجرات بينهم للحصول على مكان مناسب للوقوف، ما يؤدى أحياناً إلى سقوط عدد منهم، مضيفين: تبرعنا بقطعة أرض لمديرية التربية والتعليم لتسليمها للأبنية التعليمية لبناء مدرسة عليها، إلا أن مديرية الزراعة رفضت، وأوقفت البناء لأن الأرض المخصصة أرض زراعية.
وعن معاناتها اليومية، تقول سهير سعيد، تلميذة بالمرحلة الإعدادية من أهالى عزبة «أبو النراش»: أخاف يومياً من الذهاب للمدرسة، فأنا أركب سيارة نصف نقل، وسط الأولاد، وكثيراً ما يقومون بالتحرش بنا، كما أننا نواجه مخاطر كبيرة بالتعرض لحوادث على الطرق.
ويضيف أحمد محمود، طالب بالإعدادى: أستيقظ مبكراً، حتى أكون أول الراكبين فى التروسيكل، لأحجز مكاناً لى ولأصدقائى، من أجل ألا نضطر للوقوف طوال الطريق أو الانتظار طويلاً لوصول تروسيكل أو سيارة أخرى، مشيراً إلى أنه يدفع جنيهاً يومياً للوصول للمدرسة.
«أولادنا يواجهون الموت يومياً.. ونحن نتركهم لمصائرهم ونكتفى بالدعاء وقول: ربنا يسترها».. بهذه الكلمات، بدأ بلال جرن، أحد أهالى العزبة، حديثه معنا، قبل أن يضيف: خوفنا على أطفالنا من مخاطر السرقة والخطف من قبل معدومى الضمير فى حالة سيرهم على الأقدام فى وسط الزراعات، يضطرنا للموافقة على ركوبهم التروسيكل والسيارات النصف نقل، على الرغم من مخاطر الحوادث، وتكدس من 20 إلى 25 طفلاً داخل التروسيكل.
وشدد «جرن» على ضرورة توفير وسيلة نقل آمنة للتلاميذ حفاظاً على حياتهم.[ThirdImage]
«الحكومة نسيتنا، المشكلة مش بس مواصلات، العزبة ليس بها أى خدمات، لا وحدة صحية ولا إسعاف، ولا حتى مياه صالحة للشرب»، قالت سميرة متولى، مضيفة: لا يمكن الخروج من القرية أو الدخول لها غير بالتروسيكل أو بالسيارات النصف نقل، ما يعرض حياتنا للخطر وبخاصة الأطفال، مشيرة إلى أنها تدفع لابنها من جنيه إلى جنيهين يومياً للذهاب للمدرسة. وأوضح محمود عبدالله، مدرس، أن العزبة بها 10 آلاف نسمة، يعانون من مشكلة المواصلات، مضيفاً: رفعنا مذكرات لكافة المسئولين بالمحافظة، دون جدوى، ولما وفرنا قطعة أرض لبناء مدرسة عليها، رفضت هيئة الأبنية التعليمية البناء بالقرية، وكذلك مديرية الزراعة، لأنها أرض زراعية، على الرغم من أن البناء من أجل منفعة عامة وهى مدرسة وليس منفعة خاصة.
وأضاف: آخر مذكرة قدمناها كانت للدكتور أحمد شيرين فوزى، محافظ المنوفية، وقلنا فيها إن 3000 تلميذ بالقرية بمختلف أعمارهم ومراحلهم التعليمية حياتهم فى خطر، وكل ما نطلبه بناء مدرسة على قطعة الأرض التى وفرناها، ومساحتها 9 قراريط».
وقال «عبدالله»: المحافظ أشّر بالموافقة على البناء، وتم تحويل الموضوع للمسئولين بمديرية الزراعة من أجل المعاينة، وكذلك هيئة الأبنية التعليمة، إلا أنه لم تصل أية لجان من المديريتين للمكان للمعاينة حتى الآن.
من جانبه، قال عبدالله عمارة، وكيل وزارة التربية والتعليم بالمحافظة، إنه يتضامن مع الأهالى، مؤكداً أن بابه مفتوح لمساعدتهم فى إجراءات البناء، مشيراً إلى أنه سيقوم بزيارة عاجلة للعزبة للوقوف على الوضع بشكل مناسب ومعرفة مدى الكثافة، ورفع مذكرة للمحافظ، للمطالبة ببناء مدرسة إذا لزم الأمر. بدوره، قال المهندس محمد مرسى، وكيل وزارة الزراعة بالمنوفية، إنه لا يوجد تعنت من جانبهم، مشيراً إلى أن المديرية تقوم بواجبها بمعاينة المكان على الطبيعة وعمل رسم كروكى، وإرساله لوزارة الزراعة، والتى ستقوم بدورها بتشكيل لجنة مركزية لمعاينة الأرض، للتأكد من أن المكان صالح للبناء عليه وذلك بقربه من المنطقة السكنية والتأكد من تخصيصه للمنفعة العامة. وأضاف «مرسى» قائلاً: إذا ثبت توافق المكان وقربه من الكتلة السكنية، ستتم الموافقة على البناء من جانب الوزارة.