يوم الأحد المقبل سيكون التونسيون على موعد مع انتخاب أول رئيس لهم بعد الثورة انتخاباً حراً مباشراً. معظم المؤشرات تدل على أن الباجى قائد السبسى، زعيم حزب «نداء تونس»، هو المرشح الأوفر حظاً لدخول قصر قرطاج، ووفقاً لأحدث استطلاعات الرأى غير الرسمية ينتظر أن يصوت 34% من الناخبين لصالح السبسى مقابل 26% لصالح المنصف المرزوقى. ومع ذلك فإن التنافس الانتخابى على أشده بين مختلف المرشحين، فلافتات الدعاية الانتخابية لمرشحين أمثال حمة الهمامى وسليم الرياحى وحتى أحمد نجيب الشابى تتنافس بقوة على جدران البنايات وأعمدة الإنارة فى العاصمة تونس، وبعض هؤلاء المرشحين طرح خصيصاً فى الأسواق كتباً تتحدث عنه وعن برنامجه، ففى مكتبة «الكتاب» فى شارع الحبيب بورقيبة تجد كتاباً تعريفياً أعده محرز بوصيان الذى لا يكاد أحد من التونسيين يعرف اسمه، تجده جنباً إلى جنب مع كتاب عن الباجى قائد السبسى باللغة الفرنسية يحمل عنوان «الإلهام التونسى».
ناولنى أحد الشباب منشوراً انتخابياً لحمة الهمامى بحماس ظاهر قائلاً: سوف ننتصر. وعندما ذكرته بأن قوله يشبه الشعار الذى اختاره منصف المرزوقى لحملته وهو «ننتصر أو ننتصر»، أجاب قائلاً: لقد خذل الشباب الجبهة الشعبية فى الانتخابات التشريعية الأخيرة عندما اختاروا مقاطعتها، الآن أدرك الشباب خطأهم وسوف يقفون بقوة وراء «وِلد الشعب» وهو الشعار الذى اختاره الهمامى لدعايته الانتخابية. وبالنسبة لـ«المرزوقى» تحديداً فإن فرصه فى الفوز بالغة الضآلة، ففى عهده توترت علاقات تونس بدول عديدة أبرزها سوريا ومصر. قال الشاب قوله ومضى، إلا أنه يؤشر على أن هناك قطاعاً من الناخبين يوسع دائرة التنافس الانتخابى «الحقيقى» ويُدخل فيها آخرين، وذلك بافتراض أن الشباب سوف يشاركون فى التصويت وأن مشاركتهم ستغير فى نتائج الانتخابات، وهذا افتراض منطقى.. لكن «هل يتكتل الشباب وراء مرشح واحد؟».. هذا هو السؤال.
وعلى سبيل المثال عندما طرحت على سائق تاكسى شاب سؤال: هل يمكن أن تصوت لحمة الهمامى؟ جاء رده الفورى: مستحيل، فالهمامى شيوعى وهذا يعنى لنا نحن التوانسة أنه «ملحد». وتهمة «الإلحاد هى تهمة شائعة تطارد الهمامى كما تطارد غيره، وقد وعى بها وحرص على دفعها عن نفسه عندما استضافته قناة «نسمة» التونسية فقال ما نصه إنه يحرص على «المحافظة على الطبيعة العربية والإسلامية للدولة والشعب»، واستدرك: «على الطريقة التونسية» أى دون تطرف.
سائق التاكسى الشاب لم يكن لديه اختيار محدد، وهذا مؤشر على تبعثر أصوات الشباب، فلقد أكد أنه لم يحسم أمره بعد وما إذا كان سيصوت للمرزوقى المرشح غير الرسمى لحركة النهضة، أم لمحمد فريخة زعيم حركة الوفاء أحد أجنحة حركة النهضة. «لكن طالما أن موقفى هو التصويت لصالح التيار الإسلامى فلماذا لا أصوت لمن ينتسب إليه بشكل مباشر (يقصد فريخة) وأذهب إلى من يتحالف معه (يقصد المرزوقى)؟».. هكذا قال السائق. يلاحظ هنا أن كون حركة النهضة تركت لقواعدها ومؤيديها حرية الاختيار بين المرشحين فإن هذا فى حد ذاته سيؤدى إلى تبعثر الاختيارات، هذا مع العلم بأن الشيخ راشد الغنوشى لم يلتقِ من بين المرشحين إلا بثلاثة فقط هم: المنصف المرزوقى ومحمد فريخة وحمادى الجبالى زعيم تيار المحبة وأحد أبرز وجوه حركة الاتجاه الإسلامى التى تطورت لاحقاً إلى حركة النهضة. ويفهم من ذلك أنه رغم أن هناك العديد من المرشحين الذين يروجون لعلاقة قوية مع حركة النهضة من أمثال أحمد نجيب الشابى الذى يعول كثيراً على وقوفه إلى جانب النهضة فى أزماتها إلا أن الثلاثة الأقرب إلى النهضة هم على الترتيب المرزوقى ففريخة فالجبالى.
فى أحد حوانيت السوق القديمة طرحت السؤال: من ستختار رئيساً لتونس؟ على صاحب الحانوت الشاب فتهرب من الإجابة قائلاً: هذا سؤال شخصى يا مدام!، ثم استدرك ربما خوفاً من أن يفقد زبونة فقال: لكن كما ترين فإن حالة الكساد عامة لذلك فإن صوتى سيكون لمن يستطيع إنعاش الاقتصاد. إجابة الرجل مفتوحة على اختيارات مختلفة، ربما الأقرب إليها اختيار سليم الرياحى الذى ينظر له كثير من التونسيين بوصفه حافظة نقود متنقلة. ومثل هذا الانطباع يحرص الرياحى على تأكيده من خلال إغداق الوعود على الناخبين فى برنامجه الانتخابى الذى يحمل شعار «رئيس للتوانسة الكل»، ففى هذا البرنامج تجد وعداً برفع قيمة الإعانة المالية الشهرية للعائلات المعوزة من 120 ديناراً إلى 300 دينار، وآخر بتمكين فرد واحد على الأقل من كل عائلة بها 4 أفراد من العمل وفردين من كل عائلة بها 5 أفراد، وثالث بإعفاء الفلاحين من الديون بحدود 10 آلاف دينار وإعادة جدولة ما زاد على ذلك.. إلخ. بالمناسبة فإن الرياحى قد حل ثالثاً فى استطلاع الرأى المشار إليه بنسبة 14% من الأصوات، كما أن كونه شاباً يسمح له بالتأكيد على فرصته الواسعة للعطاء، حيث يلاحظ أن ثمة انتقاداً متكرراً للباجى قائد السبسى بحكم ارتفاع سنه (87 عاماً)، ما دفع الأخير للخروج عن هدوئه قائلاً: لا أحد يعرف من سيموت قبل الآخر.. هم (أى ناقدوه) أم أنا!
مشهد الانتخابات الرئاسية فى تونس يتميز بالحراك والإثارة أيضاً، فلقد انسحب كمال النابلى من حلبة التنافس وخرج على الناس فى قناة «نسمة» قائلاً: «تونس اليوم فى حاجة إلى عدم تشتيت الأصوات وضمان عدم عودة المرزوقى للحكم»، وهذا يزيد من فرص نجاح السبسى. فى المقابل نفى كمال مرجان شائعة انسحابه حتى تاريخ كتابة المقال وأطلق تصريحه على صفحته الرسمية «فحيث لن أنسحب» قاصداً تنبيه السبسى إلى أنه لن يحصد أصوات مؤيديه.
والتهديدات بالتصفية الجسدية تطال مرشحين بارزين وآخرين غير معروفين مثل منذر الزيادى، كما أن التهديدات بأعمال عنف متفرقة بل وتنفيذ بعضها كما فى الاعتداء على الأمين العام للاتحاد العام للشغل تشيع الخوف من وضع العصا فى دولاب السباق الانتخابى. وحتى تغرب شمس 23 نوفمبر ويدلى الناخبون بآرائهم تظل تونس قِبْلةَ الأنظار ومختبر الثورات العربية.