قرية شهاب.. مدد يا «حكيم الملاريا»

كتب: إسراء حامد

قرية شهاب.. مدد يا «حكيم الملاريا»

قرية شهاب.. مدد يا «حكيم الملاريا»

ينسجون قصصاً حول كراماته، لا يرد سائلاً طلب اللجوء إليه للشفاء وتخفيف آلامه، ترقد رفاته داخل قبة خضراء عالية، يتأملها ويملس عليها المحرومون من الصحة لتعاودهم عافيتهم، يلتف حولها البسطاء من أهالى قرية شبرا شهاب بالقليوبية، وقلوبهم معلقة بدعاء الشفاء الذى يختفى عنده العلم والمال فى سطوة صاحب السعادة الذى لا يطلع سر نفحاته على أحد من المخلوقات.. التقرب من مقام الشيخ يوسف الوالى الراقد وسط القرية يعنى الاقتراب من علاج أى مرض مهما كان نادراً أو استعصى على المستشفيات الخاصة والحكومية التى تدفع كل ما تملك فيها للخروج منها إما جثة مسجاة على ظهرك أو معافى حتى إشعار آخر. طريق متعرج يأخذك إلى عالمه الخاص، 33 كيلومتراً على الخط الواصل بين القناطر الخيرية وقرية شبرا شهاب، التى نالت حظاً عظيماً وغبطة كل أهالى القرى من حولها، لأنها تضم ضريح الشيخ الذى لا تنقطع عنه الأقدام، ترفع الأقلام وتجف الصحف حين يختارك من مريديه وأحبابه والفائزين بالصحة والستر وراحة البال من فئة المحرومين من العلاج الشافى فى كافة المستشفيات الخاصة والحكومية، الضريح كفيل ليأخذك لرحاب الشيخ، مرحباً بك بعد أن تخلع نعليك وتسلم عن يمينك ويسارك، وتصلى ركعتين لله، وتقرأ الفاتحة، شريطة ألا تكون عاقد الحاجبين أو حزيناً، لتسلم أمرك إلى ربك، ثم تتوجه لتقف عند بابه مبتهلاً متوسلاً عسى أن تنال مرادك. البوابة الخارجية للمقام لا يستدل منها على شىء، وقد يصل لها القاصدون عند تجمع الناس حوله دون وجود علامات الوصول، الطريق أمام الضريح ممتد بصورة طبيعية، البسطاء من أهالى القرية يقضون معظم حياتهم هنا منغمسين فى الزراعة، بينما متعتهم الوحيدة أن يطلوا على شرفات المقام الذى يتوسط قريتهم، فى مشهد مقتطع من عمل سينمائى: سيدات يحملن الأوانى ورجال يمتطون البغال فى طريقهم إلى الحقول، بينما انزوى قلة منهم إلى جوار مقام مفتوح فى وجه كل من يقصده. «مستورة عبدربه» صاحبة الـ66 عاماً تملك وحدها مفتاح باب الضريح الذى إذا فتحت أبوابه انفرجت أسارير القاصدين والمقربين من مقامه والقادمين بغية رؤيته. وبمجرد أن تزيل «مستورة» ستار السرية عن المقام، يندفع المريدون ُكل يعرف وجهته، لا يحتاجون إلى صالة استقبال واسعة ليسمعوا أرقامهم أو ألقابهم أو يقفون فى طابور طويل انتظاراً لدورهم بالمستشفيات، فعلى اختلاف عللهم وأمراضهم يتدافعون، عيونهم تتعلق بمكان واحد، وقلوبهم تتلهف على لمسة للمقام المبارك، يتخيلون ما ينتظرهم عقب الخروج من المقام، يأتيهم صوت حفيدة الشيخ يوسف والى المسئولة عن رعاية المقام، التى كرست حياتها لخدمة مريديه وأتباعه، لم تتزوج نظير رعاية المرضى من أبناء الشيخ يوسف وأحفاده، محاولة انتهاج خط سير جدها فى الزهد والتقرب من الله. «الشيخ يوسف بركة بلدنا.. الله حى والشيخ يوسف لسه بينا» لا تبرح تلك الكلمات لسانها، فبينما تستقبل الهدايا والقرابين والنذور، لتسمح لهم بالطواف 7 مرات، حتى ينالوا النفحات كاملة مثلما تصف، فهى علامة الرضا والاستجابة، أما الدخول إلى المقام ولمس جنباته والستائر التى تكسوه، فهى المرحلة التالية للطواف، قبل أن يذبحوا العطايا كل حسب مقدرته بجوار الضريح للدلالة على الخلاص من السقم والمرض وقبول الطلب.[FirstQuote] الطقوس التى تتابعها «مستورة» عن بعد، تشاطرهم فيها بفواحة البخور، حيث تبدأ طقوسها الخاصة، فبينما ينهمك بعضهم فى الدعاء، تنطلق السيدة العجوز فى الطواف حولهم متمتمة بكلمات غير مفهومة، تختمها بجملة «بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك»، عندها تنتفض أجسادهم، وتنقشع أحزانهم، ومن ثم تتم إزالة أوجاعهم أو هكذا يتخيلون. لا تتذكر «مستورة» صورة كاملة عن سيدنا الولى حسبما يصفه أهل القرية، رغم أنه مات قبل 40 عاماً فقط، حيث كانت شابة يافعة، تجالس من هم فى عمرها لتستمع إلى النوادر والأحاديث التى كان يقصها عليهم عشية كل يوم أحد، برفقة أهل قريتها، لكن ذاكرتها لا تتسع إلا لتفاصيل وفاته التى أبهرت القرية، فالشيخ الفاضل ظل راقداً فى قبره بمدافن عائلتهم 5 سنوات، بعدها انتقلت رفاته إلى حيث يرقد حالياً «السر عند الله، لكن الولى الصالح بيروح للناس فى المنام». قصص عديدة نسجها أهالى القرية والقرى المجاورة، فلكل منهم تفاصيل مختلفة عن مراسم نقل رفات الشيخ يوسف إلى مرقده، بعضهم يؤكد أنه جاء فى منام رئيس الوزراء الأسبق يوسف والى طالباً نقله إلى مقام جديد مجهز يتوافد عليه قاصدوه، فاستجاب لطلبه مرغماً بعد أن هدده بألا يرى الراحة إلا بعد تنفيذ مطلبه، بينما يؤكد البعض الآخر أن الشيخ يوسف لازم الفراش حتى وافته المنية حينها نقلوا جثمانه الذى ظل على حالته عقب مرور 38 سنة من وفاته. أحاديث هنا وهناك، يتناقلها أهل القرية، لكن النتيجة اتفاقهم على أن الشيخ يوسف صاحب الفضل على قريتهم فى الخلاص من وباء «الملاريا» الفتاك الذى أصاب القرى المجاورة بالقليوبية فى منتصف القرن الماضى، وقتل معظمهم، وباتت الأمهات يحتضن أطفالهن خشية أن يصيبهم مكروه حتى الصباح الباكر، أما الآباء والعجائز فكانوا ينكبون على الصلاة بعد أن أدركوا قرب النهاية، لكن بركات الشيخ أزاحت عنهم المرض، حسب وصف الحاج «إسماعيل على» صاحب الـ95 عاماً، الذى يكاد يسمع ويتذكر بشق الأنفس «أنقذنا من الموت المحقق». «يا فرحنا يا هنانا الشيخ يوسف خاطب ربنا واشترانا» كلمات رددها الصغار، يركضون فى الشوارع حفاة عراة بعد أن اجتمع بهم صاحب الكرامات، وأكد أن مفعول المرض لن يقربهم، وبالفعل صدق وعده، حسب الشيخ إسماعيل، «الملاريا قتلت أكتر من 5 آلاف من العائلات حوالينا، وعمرها ما قربت من قريتنا، علشان كدة الناس كانت بتيجى تستخبى فى قريتنا». ربما لهذا السبب ظهرت كرامات الشيخ يوسف فى علاج المرضى، وذاع صيتها بين الشرق والغرب، فلا أحد ينتمى لمحافظتهم، أو خارجها، إلا ولجأ إليهم للخلاص من استنزاف المزيد من المال والجهد على الأطباء والعيادات الخاصة والمستشفيات الحكومية، فكل ما بوسعهم الجلوس فى حضرة الشيخ يوسف ولمس مقامه ليشعروا بالفارق العظيم بين علاج الأطباء والعلاج الربانى. لا فارق بين المتعلم والأمى فى تصديق الكرامات الطبية للشيخ يوسف، فبعد أن جرب المهندس «سيد سعيد» كل الطرق الشرعية لعلاج نجلته من مرض الصرع، راح يفتش عن الطرق القديمة، فمرة ذهب إلى العلاج بإخراج الجن، ومرات للعلاج بالقرآن، وفى كل مرة يحدث تحسن طفيف، يشعر معه بالعجز «رحت لكل الدكاترة، وزى أى مريض شوية علاج على الماشى، بيخففوا المرض ليومين تلاتة وبعدين الحالة العامة صعبة، ودى بنتى الوحيدة». تدريجياً بدأ يتسلل اليأس إلى قلب «سيد» لكن «أولاد الحلال» أوعزوا إليه بالتوجه لمقام سيدنا يوسف «طبعاً فى الأول كحد متعلم ما صدقتش لكن سمعت إن كل اللى يروح للشيخ يوسف يتعالج مهما كان مرضه، وطبعاً لأنى مؤمن بأن الشافى هو ربنا، قلت أجرب يمكن بنتى تبقى أفضل»، ذلك الصراع النفسى الذى جال بداخل الرجل قبل اتخاذ القرار بالذهاب فوراً إلى الشيخ «يوسف» للخلاص من حصار القلق والمرض الذى يحوم حول أهم أفراد عائلته حسبما يؤكد «بمجرد ما قعدت بنتى رقية فى المقام وبدأت أقرأ بجوارها قرآن، وأدعو لها لاحظت إن فيه تغيير على وجهها ولو روحانى، وفضلت أيام طويلة من غير أى مرض». يوم بعد يوم أصبحت زيارة «رقية» ووالدها لمقام الشيخ «يوسف» عادة لا تتمنى الإقلاع عنها، للعلاج من التهابات أصابت يدها قبل سنوات، بوادر الشفاء باغتتها بعد عامين من مداومة الزيارة للضريح، «طلبت شفاء ابنتى من ربنا قبل أى شىء، ولما عجز الأطباء، جعل لنا السبب موجود عند الشيخ يوسف الله يرحمه». نزيف متواصل فى الرئة لا يتوقف إلا عند بلوغ الحاج «سمير أبوطالب» مقام الشيخ يوسف صاحب الكرامات، عندها كل شىء فى العالم لا قيمة له، إلا نيل الرضا والسماح، وبحسب حديثه فبركات الشيخ كفيلة بأن تنسيه أوجاعه بمجرد أن يستنجد المرضى به طلباً للعلاج، «راجل أرزقى وعلى قد حالى، مش عندى فلوس أصرف على دكاترة وعيالى محتاجين مصاريف كتير، مش هنلاقى ناكل لو صرفنا على العيادات». «أحمد كامل» خادم مسجد «يوسف والى» يرصد كراماته بنفسه، فبحكم وظيفته يأتى أهالى القرى المجاورة وقريته، يتداولون الحديث عن قصصه وكراماته، «الشيخ لما مات اتقطعت البركة عن البلد، وعلشان كده وصانا نبقى إيد واحدة، ولما مات رجعت الأمراض تهاجمنا». ورغم كون الشيخ يوسف ليس طبيباً أو متبحراً فى علوم الطب فإن كراماته لم تتوقف عند حد زيارة المقام، فالمياه التى كان الشيخ يوسف يستحم بها عند موتور الأراضى الزراعية بالمنطقة القبلية ببلدتهم ظلت مياهاً مطهرة تشفى العليل بمجرد وضعها على جسده، بحسبه، «بركته كانت بتحل على البلد كل يوم، مفيش حد كان بيمرض والقوة كانت أضعاف دلوقت ومحصولنا الزراعى زاد، وزادت نسبة المعمرين».