هدوء ينساب بين الأحرف، يصلك أبخرة دفء في الشتاء ونسائم حلم وقت الصيف، عيون هي الأوسع أمام الكاميرات بنظرات هي الأعمق إلى النفس، تنويعات من الشعور ينقلها لك هذا الملاك بنظرة، بإطراقة، بالتفاتة، يأمر وجدانك، يستجيب، يرق شيء ما داخلك، تكتشف بعد الامتثال بتغير الحالة وتبدل الحال.
وهبت الطبيعة لنهاد حداد ما قلما تهبه لإنسان على مر التاريخ، جواز المرور من الحرف الأول المركب على دقة اللحن الأولى، مشفوعا بذكاء طربي حاد من مدرسة الموسيقى العالمية المتجسدة في الرحبانية، خطان متوازيان سار عليهما مشروع غنائي متفرد في العصر الحديث، حمل في محطاته ملامح بيئة وتاريخ وثقافة وتراث إنسانية احتفظ به فحفظه.
بين اليوم والأمس، بين الليل والنهار، بين الشتاء والصيف، تركت ازدواجية الطبيعة أثرها على مشروع فيروز، السبب طبيعة العمر، جائز، أو حكم التجربة وعمقها، وارد، لكن لم يترك صوت الملائكة حالة أو إحساسا في المرحلتين إلا ووصفه وعبر عنه وجسده بدقة ومهارة لم يحالف الحظ غيره في التوصل إليها.
المرحلة الفيروزية الأولى:
مرحلة الحب العذري في اصطلاح الشعراء، الوله والهيام والحب الأفلاطوني كما يراه المراهقون، مرحلة الصدق كما يراها عشاق أغنية "بكتب اسمك يا حبيبي"، أحرف تتلوى لوعة غير مرفوضة، جمل المقارنة لم يفصل بينها، اشتركت في أفعال وأجزاء ترسم للإنسان صورته الطبيعية، واختلفت في نهاية اللوحة، لينتهي المحب مخلدا نفسه في إخلاصه واهتمامه، وينتهي الآخر غير موجود كما كان غير مكترث، وضائع كما أضاع الهدية.
هذه المرحلة أيضا لم تترك ديناميكية الحياة تتفلت منها دون أن تصور أجزاءها في "قد ايش كان في ناس"، دراما حية بين أحرفها بالصوت والصورة، مجاميع من البشر تشترك في فعل الانتظار، لكن لن يأتي إلا من يهتم بالمجيء، مهما طال الانتظار، منتهى الانكسار المذل في قصص الحب، لكنه انكسار بطعم الشتاء البارد المبلل المرغوب لذاته.. المفرق، المظلة، الصحو، الدكات، العناوين، مفردات البعد والقسوة ولذة الانتظار، الذي تحول إلى غاية لا يمل صاحبها حتى إن استمرت 100 عام.
من بعيد، من بدايات العمر، تخرج صورة ساذجة للحب الأول "حبك ما بعرف"، حين يحتاج الوجدان إلى الخطوة الأولى، تأتيه بمؤثر خارجي بسيط "هن قالولي"، ليبدأ منظور الحياة في الاختلاف، يكبر القمر عن حجمه وتأمن "الزغلولة" في يد الإنسان، يتحدى الحب قوانين الفيزياء، وتظل هذه الطفرة ذكرى لا تنسى، ولا تجد تعبيرا أنسب من هدأة فيروز فين "تركني" و"حبك"، قالت مالم تقله الحروف، هي نظرة إن تخيلتها، بها جميع معاني الرجاء، أو التمني في ما بعد.
المرحلة الفيروزية الثانية:
الزمن حركة، تختزن لا تموت، تترك ندوبها على الأرض والحوائط والنفس البشرية، جدار يغلف البراءة، ويثقل التجربة، وتتبدل المعاني وتختلف قدرة الأحرف على التعبير، فعاشقة الأمس غير المتمنعة قررت اليوم تجنب أخطاء الماضي، أو قل أصبحت أكثر دراية بمفردات كان قلبها يرتجف فقط بمجرد سماعها، "مش فارقة معاي" لا تقولها المرحلة الفيروزية الأولى مطلقا، بل هي تراكم طبيعي من عطاء دون مقابل، اختزن بفعل الزمن مقومات تجعلها الكلمة الأنسب، وتجعل القصة برمتها يمكن تجاهلها "مش قصة هاي"، هذا سهل على من دربته ليالي الحنين، أن يترك لليالي ضعفها، ويتعلم تحمل مسؤولية القرار.
تطل الدراما مجددا في هذه المرحلة، لكنها أقرب إلى الكوميديا السوداء، أيا منك كنت حبيبا، ثم زوجا لغيرها، ثم أبا، حسب ما سمعت بعد أن فقدت اهتمامها بالشخص، لكن ظلت الحالة القديمة مطلة برأسها في سؤال وحيد "كيفك أنت".
من أعمق ما غنت فيروز على الإطلاق، علاقة معقدة بين رجل مغرم وامرة لا تملك القرار بسبب حيرة ما، فعلها الزمن أو لا، كرستها التجارب أو أظهرتها أو جعلت منها جدارا لنفسها، لا يهم، فالنتيجة هي شخصية "فزعانة" أن تأخذ قرار الحب، أو ان تبعد عن الحب، تردد بين حالتين لا بين بينهما، صوت فيروز المنهك في مطلع الأغنية يعكس كالمرآة تماما وجه المرأة في هذه الحالة، ويعكس أيضا حججها، "اعطيني خمس دقايق بس.. سمع ع الموسيقى"، تهبط كلمة "تعبانة" بالإيقاع، وبالحالة، وبالعمر في سنوات تبدو متأخرة، مجسدة مأساة تعبر بصدق وبقوة عن نهاية حياة حافلة بجميع ما مر من تجارب، وما ضاق المقام عن تفصيله، قد تكون فيروز هي "الحالة" عند البعض، أو المعنى عند الآخر، لكن هذه الازدواجية جعلت منها أفضل ما أنتجت الطبيعة للتعبير عن فعل الزمن في وجدان البشر.