البحيرة: أطفال «إيكا» يسيرون على النخل لعبور المصرف

كتب: دارين فرغلى

البحيرة: أطفال «إيكا» يسيرون على النخل لعبور المصرف

البحيرة: أطفال «إيكا» يسيرون على النخل لعبور المصرف

كان لا يزال مستغرقاً فى سبات عميق، وعقرب الساعة يسير بخطوات ثابتة نحو الخامسة صباحاً، خطوات متسارعة خطتها الأم نحو سرير ابنها الصغير، ربتت على كتفه برفق «قوم يا محمود هتتأخر على المدرسة»، محاولات مضنية قام بها الطفل ذو الثمانى سنوات لينفض النوم من عينيه، وعندما نجح فى فتحهما نظر إلى أمه متمتماً «تعبان يا أمى رجلى وجعانى من المشى أوى»، جلست الأم بجوار ابنها فى فراشه ومسحت بيديها على شعره محاولة أن تشد من أزره وتشجعه على الذهاب فما كان منه إلا أن استسلم إلى رغبتها. التعب الذى كان يشكو منه محمود ليس كهذا الذى اعتاد الآباء والأمهات سماعه من الأطفال كلما حانت ساعة الاستيقاظ للذهاب إلى المدرسة، لكنها شكوى حقيقية مائة فى المائة، فـ«محمود» هو واحد من 700 طالب موزعين على 9 عزب تابعة لقرية «إيكا» بمركز أبوالمطامير فى محافظة البحيرة، يضطر جميعهم إلى السير على أقدامهم مسافات طويلة تصل إلى 7 كيلومترات فى مدقات زراعية سعياً للوصول إلى مدارسهم، تلك المسافة الطويلة تسبب لهم جميعاً إعياء شديداً يتملك منهم حتى قبل الوصول إلى مدارسهم لبدء يومهم الدراسى. فى طريقه إلى مدرسة «باغوص» يمر «محمود عبدالفضيل سالم» على مصرف «باغوص» ويتطلب الوصول إلى المدرسة المرور من على هذا المصرف، ولا يجد محمود وزملاؤه أمامهم إلا استخدام تلك النخلة التى ثبتها الأهالى فوق المصرف ليسير الأطفال من فوقها ويعبروا إلى طريق زراعى آخر يسيرون فيه ما يقرب من 5 كيلومترات. المسافة الطويلة التى يسيرها الأطفال والمصرف الذى يضطرون إلى العبور من فوقه والكلاب الضالة التى تلاحقهم فى الطريق من وقت لآخر جعلت الأهالى يلجأون لتعيين أحدهم مرافقاً لرحلتهم اليومية تلك، يسير الرجل خلف الأطفال ليطمئن على عبورهم سالمين من فوق المصرف، وحتى يتمكن من حمل أى منهم إن تردد فى العبور خوفاً من السقوط والغرق فيه.[SecondImage] يصل «محمود» ورفاقه إلى حيث المصرف، يصطف الجميع حاملين حقائبهم ليمروا فى طابور طويل خلف بعضهم البعض، كان الأطفال كمن يسيرون على الحبل يحاولون جاهدين التماسك حتى لا تنزلق إحدى أقدامهم فيكون مصيرهم كمصير زملاء لهم سقطوا وأصيبوا بكسور وجروح، أو حتى كأحد أطفال القرية الذى سقط فى المصرف وراح ضحية له. عبر «محمود» ورفاقه، فيما ظل أحد الأطفال يتحسس خطاه ناحية المصرف، يحاول التقدم خطوة، لكنه يعود للخلف خطوات وخطوات، فلم يكن أمام مرافقهم فى الرحلة إلا أن ذهب إليه وحمله ليعبر به فى سلام. أهالى قرية «إيكا» تقدموا بالعديد من الشكاوى للمسئولين طالبين أن تتم إقامة مدرسة فى قريتهم تستوعب أبناءهم جميعاً وتريحهم من تلك الرحلة اليومية الشاقة، وتذهب القلق عنهم قليلاً من أى مكروه قد يصيب أبناءهم أثناء الذهاب أو الإياب، هذا فضلاً عن البرد القارس الذى ينتظرهم فى فصل الشتاء والذى يحول تلك الرحلة إلى كابوس ثقيل على قلوب الأطفال وذويهم، هكذا يقول نبيل خليفة أحد أهالى القرية، حتى أن بعض العزب قررت منع أبنائها من الذهاب إلى مدرستهم «فرماج الابتدائية» اعتراضاً على بعد المسافة وعلى عدم اهتمام المسئولين بتوفير وسائل مواصلات للطلبة ترحمهم من هذا الإرهاق الشديد الذى يصيبهم يومياً، خاصة أن القرية كان بها مدرسة تسمى «عمر بن الخطاب» منذ 12 عاماً، ولكن صدر لها قرار إزالة ومنذ ذلك الحين تم تقسيم أهالى القرية على 3 مدارس هى «فرماج»، و«باغوص»، و«محمد حواش»، هذا وفقاً لرواية الحاج أحمد إسماعيل أحد أهالى القرية. انتهى اليوم الدراسى وعاد محمود ورفاقه إلى قريتهم، المسافة التى ساروها لم تقل شبراً واحداً وإن كان هذا ما يتمنونه، حتى هذا المصرف لا يزال هناك فى انتظارهم ليمروا من فوقه وقلوبهم تزداد ضرباتها مع كل خطوة يخطونها، أما تلك الكلاب الضالة فبعضها راح يتجول فى الأراضى الزراعية أما بقيتها فلا زالت تنتظر أن يٌسقط هذا الرجل المرافق للأطفال تلك العصا من يديه لعلها تستطيع الاقتراب منهم أكثر. «محمود» يحلم بأن يصبح ضابطاً فى أحد الأيام، ومن أجل هذا الحلم هو على استعداد أن يتحمل كل تلك المشقة، لكن أسئلة تجوب فى رأس الصغير كل يوم حتى أصبحت من عاداته اليومية «ألا يوجد مسئول واحد يستطيع أن يأتى إليهم ويشعر بمعاناتهم؟»، و«ما الذى ستخسره الدولة إن وفرت لهم مدرسة قريبة منهم؟»، و«هل سيتمكن من تحقيق حلمه بالفعل، أم سيأتى عليه يوم ويطلب منه والده أن يترك الدراسة ككثير من أبناء القرية الذين يعملون باليومية فى أراض زراعية مجاورة؟»، تدور تلك الأسئلة جميعها فى رأس محمود قبل أن يخلد إلى نوم عميق فى انتظار اليوم التالى الذى ستأتى فيه والدته لتوقظه حتى لا يتأخر على مدرسته وعلى رحلة الشقاء اليومية.