القليوبية: «الأبيض» و«شكر» و«كرابيجو» فى صندوق «تروسيكل»
أمام منزله الصغير بعزبة الأبيض فى منطقة أبوزعبل التابعة لمحافظة القليوبية، خرج «إبراهيم»، ذو السبع سنوات، برفقة والده فى تمام السادسة صباحاً، لم يكن «إبراهيم» ووالده وحدهما المبكرين بالخروج؛ إذ تجمع أمام منزلهما عدد من أهالى العزبة بصحبة أبنائهم الصغار فى انتظار الوسيلة التى تقل أطفالهم يومياً إلى مدرسة «عزبة شكرى» الابتدائية، التى تبعد عن منطقة سكنهم ما يقرب من 4 كيلومترات، كانت البرودة تزيد فى الجو مع كل دقيقة تمر على الجميع فى حالة الانتظار تلك، حاول «إبراهيم» إقناع والده بالعودة للاختباء تحت دفء بطانيته من هذا البرد القارس، لكن الأب هدَّأ من روعه وأكد له أنه لن تمر دقيقتان إلا ويأتى السائق لأخذهما.
دقائق قليلة تمر ويصل السائق على متن «تروسيكل» صغير، وقف أمام الجميع ثم أشار لهم ليركبوا داخل صندوق التروسيكل.. بمهارة المدربين قفز الصغار إلى الصندوق غير عابئين بأجسادهم النحيفة التى التحمت ببعضها البعض، فى محاولة لأن يحصلوا على موضع لأقدامهم الصغيرة، أما «إبراهيم» فصغر سنه جعل الأمر يبدو وكأنه يتسلق هرماً، وليس صندوق «تروسيكل»، وعندما نجحت محاولاته فى الصعود لم يجد مكاناً إلا فى المنتصف، بعد أن التصق الأطفال بحافة التروسيكل، حيث يستطيعون الإمساك بتلك الأسياخ الحديدية التى تحيط الصندوق من جهاته الأربع، خوفاً من السقوط. بدأ التروسيكل فى التحرك وبدأت معه أجساد الصغار تتمايل يميناً ويساراً، فيما كان إبراهيم الصغير يحاول التشبث بحقائب زملائه المعلقة على ظهورهم حتى لا يسقط من فوق التروسيكل مع أول مطب يقابله أو صخرة يعبرون من فوقها.
طريق ترابى يحده من اليمين ترعة مملوءة بالحشائش، فيما يحتل الجانب الأيسر أراضٍ زراعية واسعة، هذا هو المشهد الذى يقابله الأطفال فى طريقهم يومياً من المدرسة وإليها، وبينما يحاول «التروسيكل» زيادة سرعته للحاق بميعاد المدرسة، تبطئه الحمولة الثقيلة التى يرزح تحتها، فعدد الأطفال الذين يقلهم يتراوح ما بين 11 و20 طفلاً.
الأطفال داخل صندوق «التروسيكل» يحاولون جاهدين إلهاء بعضهم البعض بروايات من تلك النوعية التى تناسب أعمارهم، ربما ينسون هذا الجو القارس الذى يلفح وجوههم حتى تكاد تتجمد ويفقدون معها القدرة على النطق، وبينما يتحدثون ويضحكون إذا بمجموعة من الكلاب الضالة تخرج من بين الأشجار وتحاول اللحاق بهم، ولكن السائق يزيحها بعصا كبيرة فتتقهقر جميعاً إلى حيث أتت.[SecondImage]
«إبراهيم» هو الابن الأكبر لأبيه، محمد متولى أحمد، يقول الأب بنبرة حزينة: «كم من الصعب علىَّ أن أتركه وهو فى هذا العمر يركب (تروسيكل) لا يستطيع حتى أن يجلس داخله وأن يقف طوال المسافة من المنزل للمدرسة التى تتضاعف بسبب صعوبة الطريق فيضطر السائق إلى السير ببطء خوفاً من سقوط أحد الأطفال، لكن لا مفر أمامنا، خاصة أن المدرسة الابتدائية القريبة منا لا تحتمل الأعداد الكبيرة للطلبة فى المنطقة». يضيف الوالد: «يدفع كل ولى أمر لصاحب التروسيكل 30 جنيهاً شهرياً مقابل توصيل أبنائنا للمدرسة، وبالطبع هناك الكثير من أولياء الأمور لا يستطيعون دفع هذا المبلغ، خاصة إذا كان لديهم أكثر من طفل فى نفس المدرسة فيضطر الأطفال حينها إلى السير على أقدامهم كل هذه المسافة».
«ياسمين» واحدة من الطلبة الذين لا تسعفهم ظروفهم المادية لاستئجار موقع قدم داخل تروسيكل ليهون عليها رحلتها المدرسية، فتضطر إلى السير كل تلك المسافة من مكان سكنها حتى مدرستها الابتدائية، ولكنها تفضّل أن تذهب فى جماعات مع رفقائها خوفاً من أن تتعرض لمضايقات فى هذا الطريق الوعر، أو أن تهاجمها الكلاب الضالة. تقول «ياسمين»، التى تدرس فى الصف الخامس الابتدائى: «بتعب قوى من المشى كل يوم 8 كيلو رايح جاى، لكن بابا مش قادر يدفع لى إيجار التروسيكل، فمفيش قدامى غير إنى أمشى على رجلى، وإلا هيقعدونى من المدرسة، وطبعاً أول ما بوصل المدرسة بكون مش قادرة أعمل حاجة وعاوزة أستريح ومش بركز فى الحصص»، تنهى الطفلة حديثها بقولها: «نفسى يعملوا لنا مدرسة قريبة مننا، إحنا عددنا كبير، وبنتعذب كل يوم».
الأزمة ذاتها يعانيها أبناء عزبتى «شكر» و«كرابيجو»، فحالهم لا يختلف بأى شكل من الأشكال عن حال أقرانهم فى عزبة «الأبيض»، ما يجعل من الطريق الترابى الواصل بين تلك العزب والمدرسة الابتدائية أشبه بخلية النحل؛ حيث يزدحم عن آخره بالطلبة القادمين من كل حدب وصوب فى اتجاه مدرستهم.
محمد محسن، أحد أبناء عزبة «كرابيجو»، له طقوس يومية فى رحلته المدرسية؛ فهو يخرج من منزله فى الصباح الباكر بصحبة أخته التى تصغره بـ3 سنوات، يمسك بيديها جيداً ثم يمر على البيوت الملاصقة له ليصطحب أبناء جيرانه معه، صحيح هو ما زال فى الصف الخامس الابتدائى، إلا أنه الأكبر سناً بين أطفال جيرانه؛ لذا يستأمنونه عليهم فى رحلة الذهاب والإياب من المدرسة يومياً، خاصة أنهم يسيرون على أقدامهم كل تلك المسافة.
إسماعيل عبدالمنعم، أحد سكان المنطقة، يشكو من إهمال المسئولين للكثير من الشكاوى التى تقدم بها أهالى المنطقة لبناء مدرسة قريبة لأطفالهم، فيقول: «اتكلمنا كتير وما حدش بيسمعنا، وكل واحد فينا بيبقى حاطط إيده على قلبه لحد ما ولاده يرجعوا من المدرسة؛ خايفين واحد منهم يقع من على التروسيكل أو يتقلب بيهم بسبب الأعداد الكبيرة اللى راكبة، أما اللى ماشيين على رجليهم فأهاليهم بيفضلوا يدعوا إن ما حدش يوقفهم ويخطفهم أو حد فيهم يتعب من المشى ويقع فى الأرض الزراعية وما حدش يحس بيه»، وينهى حديثه بقوله: «كفاية الحوادث اللى بنسمع عنها، كل يوم عاوزين نودى أولادنا المدارس واحنا مطمنين عليهم».
على «التروسيكل» يواصل «إبراهيم» ورفاقه مشوارهم اليومى إلى المدرسة، ومثلما واجه الصغير صعوبات فى الصعود إلى «التروسيكل»، بدا وكأنه يعانى أثناء النزول منه أيضاً بسبب صغر سنه وحجمه، لكنها رحلة يومية يكاد يعتادها الطفل، غير أنه فقط يتمنى أن يضع السائق مقاعد داخل «التروسيكل» حتى لا يضطر للوقوف طوال تلك المسافة ويشعر بإعياء كما يحدث كل يوم، كما يتمنى أن يضع السائق قطعة قماش على سطح التروسيكل تحميه وزملاءه من الأمطار فى الشتاء، ليبدو الأمر وكأن «إبراهيم» يحاول أن يكيف نفسه على هذا الوضع القائم لأنه يئس من وجود حلول عملية لهذه المشكلة.