من السابق لأوانه الحسم بانتهاء جماعة الإخوان المسلمين، خاصة أنها لم تكن الضربة الأولى التى تتعرض لها «الجماعة»، فقد واجهت ضربات صريحة، فى أعوام 48 و54 و65 و81، وضربات خفيفة فى أعوام لاحقة «95 و2005»، وربما تكون المعركة الأخيرة الأضخم والأعنف، لكنها لن تكون النهائية إلا بشروط.
فى الضربات السابقة، كثيراً ما كان الإخوان يجدون دعماً خارجياً، سواء فى العالم العربى، أو الغرب، ففى أحداث 54، وجد الإخوان دعماً من النظام السعودى، نكاية فى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، كما وجدوا دعماً من ألمانيا، لأهداف مخابراتية، لأنها كانت تريد أن تواجه بهم الروس، من منطلق أنه لن تواجه روسيا إلا أصولية دينية، وبما أن الأصولية المسيحية تفككت بعد الثورات، وبعد الموجة الإلحادية التى اجتاحت أوروبا، وكذلك العلمنة السياسية، كان التعويل كبيراً على الأصولية الإسلامية، ممثلة فى جماعة الإخوان المسلمين، وتلقفت أمريكا أوراق اللعبة بعد ذلك، حتى جاء عام 79، وبدأت الحرب الأفغانية، التى توافقت فيها دول مع أمريكا، فى توجيه التيار الأصولى إلى خوضها بدعم غربى وعربى فى نفس الوقت، وهذا ما نواجه توابعه حتى الآن، فما «داعش» إلا إحدى توابع الحرب الأفغانية، أو لنقل الجيل الرابع للحرب الأفغانية، أما فى المرحلة الراهنة، فالإخوان لهم أوراق قوة، وأوراق ضعف، وكما دعمتهم أنظمة فى السابق، فمعهم الآن النظام التركى، وكذلك النظام القطرى، إن لم تحدث تغييرات حقيقية فى الأسابيع المقبلة، ليس على صعيد الدعم الإعلامى فقط، ولكن أيضاً من خلال الدعم المالى والسياسى، الذى تتلقاه قيادات الإخوان فى تركيا والعواصم الأوروبية.[FirstQuote]
وبالنسبة للتنظيم المصرى، وبناء على ما سُرب من المخابرات البريطانية حول ما يسمى «خريف الإخوان»، فإن هناك خطة لتوطين خمسة آلاف إخوانى فى أوروبا وأمريكا من القيادات العليا لـ«الجماعة»، ولديهم دعم مالى كبير لشراء أسهم فى إذاعات أجنبية، وجرائد، وبرامج تليفزيونية، وشركات دعائية، للترويج لأفكارهم، وتسويق فكرة التيار الدينى المعتدل، والسلمى، بعيداً عن التيار المتطرف، الذى يحارب أمريكا، بالإضافة إلى أن هناك خمسة آلاف سابقين، وبذلك يكون إجمالى الإخوان الموجودين فى الغرب قد يصل إلى عشرة آلاف شخص من الكفاءات والقيادات العليا، والمسيطرين بشكل كبير على مراكز إسلامية، وتنظيمات اجتماعية للمغتربين فى العديد من الدول، وعودة 50 ألف إخوانى للخليج مرة أخرى بعد 30 يونيو، خاصة أن معظمهم عاد من الخليج فى الأعوام العشرة الماضية، بعد حالة التضخم التى أصابت مصر، وعدم جدوى الوجود بالخارج، وجزء كبير عاد بعد ثورة يناير، وصعود الإخوان لقمة السلطة، فقد عادوا ليتولوا أماكن قيادية داخل مصر، والإخوان الباقون فى مصر ما زالت أعدادهم تصل إلى 400 ألف بمستوياتهم التنظمية المختلفة، والمحالون لجهات التحقيق لا يتعدون 40 ألفاً، وكثير منهم قبض عليه عشوائياً، أو من الدوائر البعيدة للإخوان من المحبين والمتعاطفين، وأيضاً التيارات الإسلامية الأخرى من السلفيين وغيرهم، وقد عادوا للكمون مرة أخرى، وخاصة المستويات الأعلى، للحفاظ على الحد الأدنى من الترابط التنظيمى، وهى الأسرة الإخوانية، وهم فى مرحلة لا تستطيع الدولة فيها الدخول إلى الإقصاء الشامل، لأنه من الصعب الوصول إلى دلائل وقرائن تقنع المحكمة بتورطهم فى أعمال ما، وخاصة أنهم سينكرون انتماءهم للتنظيم، أما فى الخارج، ففى المغرب، فقد وصل الإخوان إلى رئاسة الوزراء بشخص عبدالإله بنكيران، ولكنهم الآن ينكرون علاقتهم بالتنظيم المصرى، وكذلك «الغنوشى» فقد وجه انتقادات لاذعة للتنظيم المصرى، وكأنها شهادة ضمنية بالابتعاد عنهم، وكذلك رفض استقبال الإخوان المطرودين من قطر، وحدثت مشكلات كبيرة من التيار المدنى عندما استضيف وجدى غنيم هناك لإلقاء محاضرة، ولم تتكرر التجربة بعد ذلك.
إخوان الكويت نفس الأمر، وقد خسروا مقاعدهم فى مجلس الأمة الحالى، بحيث لم يصبح لديهم كرسى واحد فى المجلس، بخلاف السلفيين الذين ما زالوا موجودين بعدد قليل من الكراسى، السعودية تتعامل بحسم شديد، كما فعلت مع الشيخ العريفى، والباقى فقد أعلن تبرؤه من التنظيم، وتأييد الخط العام للدولة، فى الأردن هناك تفاهمات قوية مع النظام الملكى، وعلى هذا الأساس رفض همام سعيد منصب المرشد لعدم ملاءمة الظروف، وبدأوا مؤخراً الامتناع عن حضور اجتماعات التنظيم الدولى، وأصبح التنظيم الدولى مقتصراً على القيادات المصرية، أو بعض القيادات المقيمة فى الخارج، طريدة الأنظمة السياسية.[SecondImage]
فى الجزائر، التنظيم الإخوانى ليس قوياً، والعشرة الدامية كفيلة برفض شعبى كبير لأى من التنظيمات الدينية، وإخوان السودان أقل من إخوان «الترابى»، والتنظيميون على خلاف كبير، وإن كانت السودان، بناء على مواءمات سياسية، استقبلت عدداً كبيراً من الإخوان المطلوبين، لكنها أيضاً رفضت استقبال القيادات الإعلامية، بناء على عرض مالى قطرى مغر، وما زال المجتمع الغربى يريد التعامل مع الإخوان، لأنهم، ومن منطلق الثقافة العولمية، يريدون التعامل مع تنظيم متجاوز للأقطار، وله سطوة تنظيمية مبنية على السمع والطاعة، وهذا لا يتوافر إلا فى الإخوان المسلمين.
إن لم نستطع صناعة فاصل زمنى وجيلى، وتوريث قيم إنسانية عالمية مختلفة تقبل الآخر، بعيداً عن الأفكار الشمولية الإقصائية، فالإخوان قادمون مرة أخرى بصورة أكثر قوة، وثانياً لو لم تستطع الأنظمة بناء أنظمة ديمقراطية متماسكة، وتصعد بدولها اقتصادياً وخدمياً، وتحقق العدالة، فهذه الدول ستكون معرضة للسقوط، وعندها ستكون التنظيمات الهرمية هى القادرة على السيطرة، بعد الفوضى الشاملة، والأمر نفسه إن لم تستطع دول الخليج امتصاص الاحتقان الطائفى، وبناء أنظمة مدنية حقيقية، واحتواء الاحتقان السياسى بإجراءات شورية، وبدرجات مختلفة، حتى ولو على خلفية الملكية الدستورية، كما فى الأردن والمغرب، وكذلك الكويت، ووضع قواعد صارمة لتداول السلطة، ولو حتى داخل الأسر الملكية نفسها، بحيث لا يتم اختراقها غربياً وإشاعة الفرقة، وتفكيك الأسر المالكة، وهذا هدف غربى مؤكد، سيعرضها للفوضى أيضاً، وصعود التيارات المنظمة المدعومة خارجياً. أى دولة ستسقط، بعد سقوط ست دول عربية حتى الآن، ستؤثر على الباقى، لذلك يؤسفنى أن أقول إننا فى مرحلة هى الأشد خطورة على مصر، منذ عهد محمد على وحتى الآن، وما زلنا فى مرحلة الخطر الكبير، أدعو الله أن يسلِّم مصر.