لم تعد الحياة فى مصر سهلة أو عادية، فالمواطن الطبيعى لا يهتم بشئونه الشخصية فقط، ومخاوفه التى كانت إلى وقت قريب تقتصر على عمله وبيته وعائلته، أصبح الأمر أكبر، المخاوف تمتد حتى إلى الحقائب التى يحملها الآخرون فى أياديهم، وإلى أدق من ذلك فى التعاملات اليومية، فى ظل صناديق القمامة التى تحوى قنابل، والحقائب التى تحوى عبوات بدائية الصنع، وغيرها من الكوارث اليومية.
«زمان كان الواحد بيتعامل بحسن نية، دلوقتى مفيش الكلام ده»، يتحدث عاكف حسن زكى، صاحب محل الجمهورية، بمنطقة الدرب الأحمر، التاجر المخضرم لم يعد يعطى الأمان لأحد: «زمان كان يجيلك واحد يقولك خلى بالك من الشنطة دى لحد ما أرجع، كنا بناخدها بحسن نية، لكن خلاص الواحد مبقاش يآمن لجنس مخلوق». «معلش أصلى مش قاعد ولو سبتها هتتسرق»، رد مؤدب ابتكره الرجل لأى شخص يحاول ترك أى حقيبة له: «لو أصر بقى يسيبها باشتبه فيه وساعتها أقوله افتحها ورينى فيها إيه عشان أطمن»، يؤكد الرجل الستينى أن الحرص أصبح جزءاً من عمله اليومى: «ربنا نفسه حذرنا من أولادنا وأموالنا وقال فيهم عدو ولازم نحذرهم، يبقى مش هنحذر من الناس الغريبة اللى بتيجى فى الأيام الصعبة دى؟ الحذر أساسى والمثل بيقول حرص ولا تخون».
لا يتعامل كامل السوهاجى، صاحب محل فاكهة فى منطقة الدقى، بنفس القدر من التفاهم: «شومتى فى إيدى، اللى باشتبه فيه بتعامل معاه على طول»، تحول الرجل الستينى إلى مواطن بدرجة ضابط مخابرات: «براقب كل حاجة، حتى العربيات اللى معدية، لو فيهم واحدة من غير لوحة، بوقفها وأشوف قصتها، حتى لو هموت.. أموت ما يجراش حاجة، المهم عنيا تفضل مفتحة يمين وشمال».
فى الشارع الطويل يقضى الرجل وقته فى المراقبة: «مركز أوى خصوصاً فى حكاية الشنط، لو لقيت واحد جاى يسيب شنطة على جنب وماشى بوقفه على طول، وأكومه فوق الشنطة، وأطلب الحكومة، ومعايا ولادى يعملوا معاه الواجب»، فى ساعات عمله الطويلة من الثامنة صباحاً وحتى الحادية عشرة مساءً يرى الرجل أن يوفر الحد الأدنى من الأمان للمنطقة التى يعمل بها.