م الآخر| "الميدان".. القابضون على جمر الثورة "هنا مروا"

كتب: علي ترك

م الآخر| "الميدان".. القابضون على جمر الثورة "هنا مروا"

م الآخر| "الميدان".. القابضون على جمر الثورة "هنا مروا"

الواحدة بعد منتصف الليل 25 يناير 2011 وسط القاهرة وقف "محمد إبراهيم حسين" أمام مبنى الجامعة الأمريكية من ناحية شارع "قصر العيني"، يرمق الحجارة السواء التي تتراص على مشارف ميدان التحرير وتلمع من المنتصف.. كان يرتدي حينها جاكيتًا أسودًا من الجلد، وينتعل حذاءً رياضيًا اشتراه أخذًا بنصيحة صديقه التونسي "عمار".. انقشع الضباب عن زجاج نظارته الطبية فاتضح له أن الحجارة التي تلمع من المنتصف جنود أمن مركزي. في لحظة شرد فيها ورسم خطًا لسيره بعيدًا عن هراوات الجنود وأسلحتهم ذات الفوهات الواسعة، ربتت على كتفه يد "مايكل جرجس عزيز" - شاب مسيحي في العقد الثالث على ما يبدو- أعطاه "كوفية" تقيه برد يناير دون سابق معرفة، نظر الاثنان إلى بعضهما البعض، فدس "محمد" يده في جيب قميصه وأخرج علبة السجائر ووجد نفسه يوزع علبته على "مايكل" و"علي" و"وأشرف" و"مينا" وآخرين لا يعلمهم "الله يعلمهم".. قالها عندما انصرفوا عنه متجهين إلى الميدان. الثانية بعد منتصف الليل 26 يناير "إنذار" لمح الكلمة تتصدر مانشيت إحدى الصحف، لم يعير الجريدة اهتمامًا وراح يفكر في أهله الذين أخبرهم أنه سيعود من العمل إلى البيت ولن يشارك في المظاهرات التي تحدث عنها التليفزيون "عشان في قلق كتير هيحصل" كما أخبره والده العامل في الهيئة العربية للتصنيع. تكاد يداه تتجمدان بردًا أخذ يحك راحتيه استجلابًا للدفء. الثالثة عصرًا 28 يناير 2011 كوبري قصر النيل قرب ميدان التحرير لا يجد "محمد" موضعًا لحذائه الذي اهترأ من مسيرة ثلاثة أيام جري بين جنبات الميدان وشوارع وسط المدينة.. مدرعات الشرطة تقترب من الحشود الغاضبة.. تعلو الحناجر بالهتاف مناداة بإسقاط النظام، تكاد العروق تتفق في أعناق الحانقين.. اخترقت المدرعات الحشود فهرول هو إلى شارع بجوار أحد الفنادق الشهيرة، هناك رآه للمرة الأولى والأخيرة، وقفا أمام بعضهما البعض، في يد "محمد" علم لمصر مخضب بدماء صديقه "مايكل" الذي استشهد صباحًا، وفي يد الواقف أمامه سلاحًا أشهره في وجهه، لم يكن غاضبًا عندما أشهر السلاح وظهرت على وجهه علامات لا يفهمها.. لماذا يشهر السلاح في وجهي؟، لماذا يكتب جندي لا يعرفني ولا أعرفه ولا سابق عداوة بيننا سطر النهاية في حياتي، لم تمر دقائق وكان الدم يسيل على قميصه جراء رصاصة اخترقت ظهره، استدار استدارته الأخيرة، لمح نجوم ذهبية تلمع وتتراقص على كتف قاتله.. مات. هدرت الجموع طلبًا بالقصاص لـ"محمد"، أودع الرئيس الحاكم الزنزانة، لن يقبل الغاضبون بغير المشنقة عقابًا للديكتاتور، نعم الإعلام كشف صفقاته القذرة التي عقدها، وفساد نظام حكمه.. دبابات الجيش على الأسفلت على غير عادتها يعتليها جنود يشيرون بعلامة النصر.. الهتافات تعلو في سماء الميدان "الشعب والجيش إيد واحدة"، "الشعب خلاص أسقط النظام". 29 نوفمبر 2014 صباحًا أكاديمية الشرطة يقف والد "محمد" ووالدته وشقيقه الأصغر "أسامة" انتظارًا للحكم الذي انتظروه منذ استشهاد ابنهم، اليوم سيشفى غليل الوالد الذي أخذ موت محمد بصره، ووالدته التي صاحبها السكري حزنًا على ولدها الأكبر. 29 نوفمبر 2014 مساءً قصر العيني خرج الطبيب من غرفة العمليات ينظر إلى الأرض في أسى وفي عينيه تترقرق الدموع مواسيًا "أسامة": البقاء لله. 30 نوفمبر 2014 الواحدة بعد منتصف الليل وسط القاهرة وقف "أسامة إبراهيم حسين" أمام مبنى الجامعة الأمريكية من ناحية شارع "قصر العيني"، يرمق الحجارة السواء التي تتراص على مشارف ميدان التحرير وتلمع من المنتصف.. كان يرتدي حينها جاكيتًا أسودًا من الجلد، وينتعل حذاءً رياضيًا.. انقشع الضباب عن زجاج نظارته الطبية فاتضح له أن الحجارة التي تلمع من المنتصف جنود أمن مركزي.