«الوطن» تنفرد بأول تحقيق من «آخر نقطة» على الحدود

كتب: إيهاب العجمى

«الوطن» تنفرد بأول تحقيق  من «آخر نقطة» على الحدود

«الوطن» تنفرد بأول تحقيق من «آخر نقطة» على الحدود

730 كيلومتراً قطعناها بالسيارة من الغردقة قاصدين مدينة حلايب، آخر نقطة مصرية حدودية مع دولة السودان الشقيقة، وهى المدينة التى كانت منذ شهرين تقريباً مجرد قرية تابعة لمجلس مدينة شلاتين وكلاهما يتبع محافظة البحر الأحمر، طول المسافة حجب عنها كل المسئولين السابقين الذين تولوا مسئولية محافظة البحر الأحمر، المسافة كلها تقع على سواحل البحر، وفى المنتصف مدن المحافظة الأخرى وبالترتيب من الشمال إلى الجنوب «سفاجا والقصير ومرسى علم»، وهو آخر طريق يمكنك أن تجد عليه بعض خدمات محدودة، لكنها ضرورية مثل محطات الوقود والمطاعم التى تعد على أصابع اليد الواحدة، على الرغم من كم الأوتوبيسات السياحية التى تحمل مئات السائحين، ولا تجد سوى سيارة إسعاف واحدة عند مدخل كل مدينة. بعد أن تترك مرسى علم فى طريقك إلى شلاتين وحلايب تمر ببعض القرى الصغيرة، وبعد أن تترك مرسى علم وحتى مدينتى الجنوب لا توجد أى خدمات تذكر، فمحطات الوقود معدومة ولا توجد إنارة أو نقط إسعاف ولا كافيتريات، والطريق من مدينة سفاجا إلى الشلاتين طريق فردى لم يتم ازدواجه حتى الآن، وهو ما جعل المحافظ الحالى أحمد عبدالله، يبذل قصارى جهده مع وزارة النقل لازدواج الطريق وتزويده بالخدمات.[FirstQuote] طوال الطريق إلى حلايب مروراً بشلاتين، تحتضن الجبال الشاهقة والبحر، الأسفلت الضيق للغاية هو بالكاد يسمح بمرور سيارتين يتقابلان وجهاً لوجه، عندما تصل إلى مدينة الشلاتين تكون بذلك قطعت 500 كيلومتر من الغردقة، ومن هناك إلى مدينة حلايب ومنفذ «حدربة»، آخر نقطة حدودية مصرية تفصلنا بأسلاك شائكة عن دولة السودان، المسافة 230 كيلومتراً، طوال هذه المسافة من مرسى علم إلى حدربة تشعر برهبة وقسوة الطريق. وأخيراً وصلنا إلى «حدربة» وبعد أن تركنا الغردقة الساحرة بما فيها من إمكانيات هائلة، وجدنا أنفسنا فى مدينة سمراء لا تعرف من متع الحياة سوى الكركديه والحنة السوداء، والمشروب الوحيد الذى يبل الريق هناك هو كوب لبن الجمال الرطب، هنا لا تصل إشارة التليفزيون ولا المحمول ولا حتى الصحف المصرية، فهى مدينة كانت منذ عدة أشهر معزولة تماماً عن جمهورية مصر العربية حتى لغة الناس غير مفهومة وتحتاج إلى مترجم لأنك ببساطة لن تعرف ما نوع هذه اللغة، فهى غريبة لا أحد يفهمها إلا هم، القليل منها مصرى ومنها كثير من اللهجة السودانية والبعض الآخر غير مفهوم بالمرة. الناس هنا، بخلاف البشرة السمراء، تجد شعورهم طويلة ومنكوشة، وعيونهم واسعة ولونها مائل للاحمرار قليلاً من الداخل، ملابسهم واحدة: جلباب أبيض، أسماؤهم متشابهة للغاية فمثلاً فى حدربة يوجد شيخ قبيلة اسمه «حسين» فتجد العشرات من الشباب والأطفال بنفس الاسم، علمت من الشيخ «سدو» كبير مشايخ حلايب أن العرف جرى هناك على أن يسمى أى مولود جديد على اسم شيخ القبيلة التى يتبعها، ولا أحد يستطيع أن يخالف ذلك، فهم مترابطون للغاية تحكمهم عادات وتقاليد وأعراف القبيلة التى ينتمون إليها، علمت أنهم يستوردون كل شىء من السودان: الملابس، الطعام، الفاكهة، الدخان. الأطفال هنا يعشقون نهش الدوم بأسنانهم الصغيرة، الطيبة أهم ما يميز الناس هناك، لا يوجد لديهم أى نوع من العنف وهم يحترمون السلطة، أما منازل سكانها فهى عشش من الصفيح وسط الصحراء، وهو ما يجعلك ترى بوضوح قسوة الحياة هناك على وجوه أهلها.[SecondImage] «مدينة حلايب التى كنا نعرفها منذ عدة سنوات بدا عليها تغيير ملحوظ خلال الأشهر الستة الماضية»، هكذا قال لنا الشيخ «سدو» كبير مشايخ حلايب عندما سألناه عن معالم الحياة التى يعيشها سكان حلايب ومدى تمسكهم بهذه العيشة غير الآدمية أو الحياة الحجرية، مضيفاً: الناس هنا فى حلايب يحتفظون فى جيناتهم الوراثية بأصول أجدادهم الذين كانوا يعيشون وسط جبال المنطقة منذ مئات السنين، ويعشقون هذه الحياة التى تعتبرونها قاسية من وجهة نظركم أنتم أهل الحضر وسكان الحياة العصرية، لكننا نشعر بسعادة ونحن نعيش هذه الحياة البدائية بالنسبة لكم لأننا منذ أن خرجنا للدنيا لم نر إلا مشهداً واحداً، الجبال والصحراء، ولذلك فمعظم السكان هنا يعملون فى مهنة الرعى وتربية الإبل، وحلايب مشهورة بالتجارة فى الجمال التى نستوردها من السودان. سألنا الشيخ «سدو» حلايب مصرية أم سودانية؟ غضب الرجل بشدة ورد بسؤال؟ أنت مصرى ولا مش مصرى، طبعاً مصرى يا شيخ، فقال: «إذن، يا أستاذ لا يجب أن تسأل هذا السؤال، ﻷن حلايب مصرية مليون فى المائة وهذا الكلام قد أصبح ثقيل الظل، ونحن نرفض هذا السؤال الذى نسمعه دائماً، ونغضب بشدة عندما نجد من يشكك فى هذه الحقيقة، وذكرت لك فى بداية كلامى أننا جذور القبائل هنا تعود إلى مئات السنين، ونعيش على حرفة الرعى وتجارة الجمال وتبادل التجارة فى المواد الغذائية مع السودان مثل الأرز والدقيق على سبيل المثال، وهناك العشرات من قضايا التهريب التى أحبطها رجال حرس الحدود مثل تجارة المخدرات أو السلاح ونحن نساعدهم فى ذلك، ولدينا رجال من قبائلنا يحمون ويحرسون الجبال والوديان والصحراء من أى مكروه».[SecondQuote] ويضيف شيخ المشايخ: «ومنذ فترة نجح شباب حلايب فى إحباط محاولة لتهريب سيارة نقل مقبلة من السودان كانت تحاول دخول الحدود المصرية وهى محملة بأعضاء بشرية، وقام شبابنا بإحراق السيارة بالكامل وسط الصحراء، كما يوجد تهريب بضائع غذائية مثل الأرز والدقيق». وتابع: «مبارك كان يهتم إلى حد كبير بأهالى حلايب لكن الإمكانيات كانت محدودة وضعيفة للغاية فى عهده، لكن الآن هناك اهتمام واضح وملموس من قبل الدولة بتعليمات من الرئيس عبدالفتاح السيسى، والدليل أنها نقلتنا من زمن إلى زمن خلال الأشهر القليلة الماضية، واللواء أحمد عبدالله محافظ البحر الأحمر الحالى، شبه موجود معنا بصفة دائمة واستمع إلى مشاكلنا وبعيداً عن السياسة، فالرجل يريد أن يساعدنا بأى شكل من الأشكال، وبصماته واضحة فقد بنا للأهالى وحدات توطين كنا نحلم بها فى عهد مبارك لكنها تحققت مع السيسى لأننا شعب صبور بطبعه، وهناك طفرة فى المشروعات الصغيرة والتعليم والصحة والطرق هى الأن تبدأ من الصفر وحققت نجاحاً كبيراً بالنسبة لنا». وختم الشيخ سيدو بقوله: «مجرد زيارات المحافظ المتكررة والاستماع لنا هو فى حد ذاته نجاح وهذا الشىء أسعدنا كثيراً لمجرد أن السيسى يستمع لنا ويتعامل معنا من منطلق أننا بشر ومصريون لنا حقوق لدى الدولة، وهو ما كنا نفتقده فى حكومة مبارك الفاسدة، لدرجة أننا كنا نعتمد على أنفسنا فى كل شىء نعلم أولادنا بأنفسنا ونعالج مرضانا بالطرق القديمة، لم نكن نملك وسائل مواصلات فكنا نستخدم الدواب فى التنقل، لكن للأمانة الشديدة السيسى متهم بالجنوب، ونحن مستعدون أن نصبر ونساند هذا الرجل، وعلى فكرة المحافظ الحالى يرى الحياة التى يعيشها الناس هنا وهو من نفسه يوفر ما يحتاجه الناس».